(1)


هل يمكن بناء دولة جيدة بأساليب القسوة والقسر وتجاهل مشاعر ورضا الناس؟

لا تتسرع في الإجابة، فكر أكثر، لأن هناك الكثير من الدول في الكثير من الأزمنة قامت عن طريق هذه الأساليب، لكنني أعتقد أنها لم تكن "دول جيدة"، ربما كانت قوية، وربما حققت إنجازات مادية وعسكرية كبيرة، لكن معظمها تراجع سريعاً، أو تفكك وانتهى تماماً.

صحيح أن هوبز تحدث عن "الدولة الوحش"، ورسم لنا صورتها في هيئة ليفياثان ضخم لا يمكن للمواطن الفرد بصنارته الضعيفة أن ينجح يوماً في اصطياده أو السيطرة عليه، ولذلك فإن العقد الذي ينطلق منه هوبز، هو العقد نفسه الذي تحدث به الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل ساعات في حديثه عن هيبة الدولة وإرادتها ونفوذها، ليس في مواجهة المواطنين المارقين فقط، ولكن في مواجهة كل من يعارض مشيئة الدولة ومشاريعها، حتى لو كان الله جل جلاله!!

(2)


كان السيسي يتحدث لمسؤوليه داخل قاعدة محمد نجيب في حفل افتتاح مشروع 1300 صوبة زراعية، وفجأة خاطب الشعب بصفة جديدة دخلت الخطاب الرئاسي المصري إلى جوار: "أيها الأخوة المواطنون"، و"يا شعب مصر"، و"أهلي وعشيرتي"، و"يا مصريين" أو كما ينطقها الرئيس "يا ماسريين"، والصفة الجديدة المسجلة باسم السيسي في مخاطبة الشعب هي: "يا جماعة ياللي بتسمعونا"!!

(3)


القضية التي اهتم "رئيس الدولة" بتوصيلها بدأت عندما عرضوا عليه بعض التقارير التي تتضمن غضب الأهالي من عزم الدولة على هدم مقام لأحد الأولياء لأنه يدخل في حرم طريق المحمودية الجديدة، في لحظتها لم يفكر الرئيس في تكليف الوزارة بالبحث عن حل توافقي مراعاة لمشاعر الناس الدينية، أو دراسة تعديل مسار المحور مع المكتب الهندسي الذي صمم المشروع، لكنه انطلق من غضبة الليفياثان متعمدا ترويع كل من يتجاسر على مواجهة الوحش.. "وإلا ما تبقاش دولة بقى"!!

هكذا يبدو واضحا أن الرسالة التي حرص "الرئيس" على توصيلها "للجماعة اللي بيسمعوه" هي ما قاله بالحرف: "محدش يتعرض للدولة"، ثم أضاف لتحسين صيغة التهديد وتبريرها حجة "مصلحة الناس"، فصارت العبارة التي تجمع بين الرسالة الحقيقية والإضافة التمويهية على هذا النحو التمريري التبريري: "محدش يتعرض للدولة في مصلحة الناس"!!

(س)

قبل أن نستكمل مناقشة تصريحات "الرئيس"، أحب أن أوضح بعض النقاط في أسئلة قد تخطر على بال أحدكم:

أولاً: إيه حكاية صفة "الرئيس" و"رئيس الدولة" التي تكررت في المقال بمسحة من التعامل الرسمي وتقدير اللقب؟

ثانياً: ما هو رأيي الشخصي في قداسة مقامات الأولياء، والدفاع عن بقائها حتى لو كانت عائقاً في طريق تنفيذ مشروعات الدولة التي تخدم مصلحة الناس؟

ثالثاً: هل يمكن أن يكون "الرئيس" على حق في تصريحاته أو بعضها؟ وفي هذه الحالة كيف نتصرف؟.. نواصل المعارضة أم نهرول إلى الموافقة؟

(ج)

إجابة أولاً تتلخص في مخاطبة الرئيس بصفته لا بشخصه، وهذا أجدر بالحساب الموضوعي على صلاحيات ومسؤوليات المنصب الذي يشغله (شئنا أم ابينا) والذي تحدث من خلاله، والذي نناقش فيه، وبهذه المناسبة أؤكد أنني في المرحلة المقبلة قد عزمت على مناقشة الجميع حسب صفاتهم الوظيفية ومسؤولياتهم العامة، من غير أي انزلاق إلى تحقير شخصي أو مكايدات يفرضها الغضب ويغذيها العجز عن المواجهة المتكافئة.

أما ثانياً فلن تكون قاطعة احتراماً للمشاعر الدينية المتضاربة في مجتمعنا، فأنا مقتنع تماما بعدم قداسة مقامات الأولياء، لكنني كذلك مقتنع تماما باحترام مشاعر من يقدسها، ولا أنظر لذلك من منظور ديني كما تحدث السيسي في تصريحاته الترويعية، لكنني أتعامل بفهم اجتماعي وتقدير لفكرة الطقوس في كل المجتمعات، ففي مجتمعات غيرنا تخرج المعارضة ضد مشروع للدولة يتطلب قطع شجرة أو تقليص حديقة تاريخية عامة وبعضكم يذكر احتجاجات المعارضة التركية للحفاظ على حديقة جيزي (وهي بالمناسبة تعني الجيزة عند المصريين)، وكذلك إلغاء مشاريع للتعدين في غابات أمريكا اللاتينية، أو التعارض بين طريق ومنطقة أثرية أو تمثال قديم، وهذه أمثلة لتعارضات ذات طابع تاريخي ومعيشي لم تنطلق من قداسة أو صراع ديني، وأنا ممن يحترمون الشعور المجتمعي حتى يتم تعديله أو الارتقاء به إلى منطقة أخرى، وهو أسلوب توافقي أقرب للحل الذي قدمه شيخنا الدبلوماسي الوسيم يحيى حقي في روايته الذائعة "قنديل أم هاشم".

نخش على ثالثاً، وأكرر ما كتبته وقلته كثيراً من قبل أنني لا أعارض تفصيلات ولا جزئيات، فقد تكون هناك جزئيات جيدة في مشروع فاسد، كأن يكون هناك تاجر مخدرات شهم، أو قاطع طريق خفيف الدم، أو خائن نشيط، أو جاسوس ذكي، لذلك فإن المعارضة عندي هي مشروع في مقابل مشروع، وليس "معارضة الكليبز"، بحيث نتقافز ونتراقص بين قصاصة حلوة وقصاصة مرة، أو قرار جيد وقرار سيء، فالقرار السيئ في سياق جيد يمكن قبوله كخطأ نطالب بتصحيحه، والقرار الجيد في سياق سيء لا يستوجب المدح ولا الشكر، لأنه يكون بمثابة قيادة ماهرة وسريغة لسائق يأخذك إلى المشنقة.

(4)

نعود بسؤال آخر إلى تصريحات الرئيس:

هل تستحق مثل هذه التصريحات مقالاً كاملاً؟، أم أنها الرغبة في الانتقاص من خصم سياسي والتقليل من كل ما يفعل؟

في رأيي وتقديري تستحق التصريحات مقالات ودراسات طويلة وعميقة، العام منه يخص وقوف الرئيس عن تصور منقرض للدولة، فقد تطورت أدبيات تعريف الدولة وأساليب تعاملها، لكن مصر تيبست في تصور هوبز للدولة، وهو ما يفتح الباب للسؤال عن التخلف والتطور في نظامنا السياسي والاجتماعي، وفي تعسف السلطة في الإبقاء على مفاهيم عتيقة تجاوزها العالم برغم ادعاء التحديث والعمل على اللحاق بالعالم الراهت وتطبيق مفاهيمه بطريقة انتقائية في مجالات أخرى مثل رفع الدعم وتسعير الخدمات والسلع وتحديث التسليح ونمط إسكان ومعيشة النخبة الحاكمة دون تعميم على بقية السكان!!

كما تستحق التصريحات دراسات للتعرف على المنطلقات الغائمة للدولة، والتي تتكرر كبديهيات في تصريحات الرئيس ومنها موضوع الأرض، والسؤال: من يملك أرض مصر؟

(5)

كتبت من قبل عن مصطلح "أراضي الدولة"، وتطرقت تاريخيا إلى ما يسمى "الروك" وهو أسلوب لمسح وتسجيل أرض مصر كلها والتعرف على طبيعة الأرض الخصبة المنتجة والأرض الصحراوية وأرض الأربطة التي تستخدم في تأمين الحدود ومراقبة أمن البلاد، وقد عرفت مصر أسلوب الروك بطريقة متدرجة، لكنه ظهر كمصطلح سياسي واقتصادي مع "الروك الصلاحي" في حكم صلاح الدين الأيوبي، ثم تطور وصار أكثر وضوحا مع "الروك الحسامي" في حكم السلطان المملوكي حسام الدين لاجين، وبرغم التجاوزات وتعامل المماليك بمفهوم الغلبة والسيف ظل الروك الحسامي معمولا به، حتى سقوط دولة المماليك على يد العثمانيين، فدخلت مصر في نظام الجباية كولاية تابعة لا سلطنة مستقلة، ولما وصلت مصر إلى حكم محمد علي كانت أرض مصر كلها ملكا للحاكم، يقطعها لمن يشاء من خاصته وينزعها ممن يشاء، ومع النظام الجمهوري ظهرت شعارات ذات طابع اشتراكي عن إعادة الأرض لمن يفلحها، لكن المسيرة تعثرت، فلا نعلم حتى الآن علة وجه الدقة طبيعة وحالة أرض مصر أو كيفية توزيعها أو من يملكها؟ وكيف؟

لهذا أدعو بعقل وشفافية إلى اهتمام الدولة بالإجابة عن هذه الأسئلة المهمة وتكليف المؤسسات القائمة بالفعل مثل هيئة المساحة وغيرها بتنفيذ وإعلان مشروع "الروك السيساوي"، لنتعرف على الخريطة الواقعية لأرض مصر وتوزيع ملكيتها، لأننا وصلنا إلى حالة لا ينبغي الاستمرار فيها خوفاً من اللعنات، فلدينا الآن دولة تنازع الله في أرضه، وتدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى بأن يقام مسجد على أرض لا توافق عليها الدولة، بل أن الله سبحانه وتعالى "لا يقبل إن الجامع بتاعه يتبني كده"، لكن كما قال الرئيس فإن الله يقبل ان الجامع بتاعه يتبني على أغلى أرض بالفلوس، أغلى أرض بإيه؟.. بالفلوس".

(6)

أخشى أن يكون الرئيس قد وصل للحالة التي تجعله يتعامل مع مقام الألوهية العظيم بطريقة: بكام؟ ومنين؟ بل ويقدم لنا تعريفا جديدا لـ"الأرض الحرام" باعتبارها الأرض التي تحرم الدولة بناء المساجد فوقها، فتصبح الدولة الجديدة بخطابها الديني المجدد هي مصدر الحلال والحرام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"