يفترض بمبادئ القانون الدولي تنظيم العلاقات الدولية في ما بين دول العالم. وهذه المبادئ تسلم بها كل الدول ويفترض بها أن تكون المعيار للسياسات الصحيحة، وأن تكون الحَكَم في النزاعات بين الدول، وذلك باعتبارها الضد لما يُسمى "قانون الغاب" في العلاقات الدولية. 

إن أهم مجموعة من مبادئ القانون الدولي، وقد تبناها، أيضاً، ميثاق هيئة الأمم المتحدة، تتمثل في ما يلي: 

1 ـ جميع الدول متساوية من حيث المبدأ. ولهذا يعتبر تحديد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تمتلك حق النقض (الفيتو) مخالفة للقانون الدولي، ولميثاق هيئة الأمم المتحدة، وإن أقر بها ميثاق الأخيرة، فهي مناقضة لمبدأ المساواة بين الدول. 

2 ـ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى التي تتمتع جميعها بحق السيادة على دولها، ولا يجوز لدولة ما، أية دولة، أن تنتهكها، ولكن هذا المبدأ هو الأكثر انتهاكاً في العلاقات الدولية، ولا سيما من قِبَل الدول الكبرى. 

3 ـ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية. وتشمل سياسة عدم استخدام القوة: (أ) التدخل العسكري المباشر، أو التهديد باستخدامه، (بـ) يشمل استخدام العقوبات الاقتصادية والمالية، بما فيها الحصار السياسي والاقتصادي والتواصلي بمختلف أشكاله. 

هذا المبدأ الأخير هو الذي تنتهكه أمريكا بحق إيران في الصراع الدائر بينهما. فالحصار يمثل شكلاً من أشكال الحرب، كما يمثل استخداماً لسياسة القوة في العلاقات الدولية، ويتضمن انتهاكاً لمبدأ سيادة الدولة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. 

كانت البداية في التأسيس للقانون الدولي توقيع الدول الأوروبية على مبادئ "ويست فاليا" أو صلح ويستفاليا عام 1648 ثم تلا ذلك عدة مراحل في توقيع دول العالم على المبادئ التي يتضمنها اليوم القانون الدولي. 

 

تبرز الازدواجية في التعامل مع القانون الدولي، في المرحلة الراهنة بروزاً صارخاً، إلى حد الفضيحة.

منذ 1648 والدول الكبرى لا سيما الاستعمارية والإمبريالية الغربية تدأب على انتهاك تلك المبادئ، وعلى استخدام سياسة القوة في العلاقات الدولية. وكان ذلك وراء كل الحروب الاستعمارية التي شنت، وكذلك الحروب الإمبريالية ضد الدول والبلدان والشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والجزر في المحيطات. ويدخل ضمن ذلك ما قام من حروب في ما بين الدول الاستعمارية والكبرى. 

ولكن، بالرغم من ذلك، فإن ما من دولة تستطيع اليوم الجهر بانتهاك مبادئ القانون الدولي، أو الدفاع عن سياسة استخدام القوة والضغوط، في السياسة الدولية. وذلك لئلا يصبح قانون الغاب مشرعاً للجميع، أو يصبح هو "القانون الدولي".

وقد راحت تبرز الازدواجية في التعامل مع القانون الدولي، في المرحلة الراهنة بروزاً صارخاً، إلى حد الفضيحة. فعلى سبيل المثال تغض أمريكا الطرف عن إنتاج مئات القنابل النووية من قبل الكيان الصهيوني، فيما تشن على إيران حرباً سياسية واقتصادية لمنعها من استخدام النووي لأغراض طبية أو سلمية. وقد تشددت أمريكا وأوروبا مع أية دولة عربية أو إسلامية إذا ما حاولت الدخول في العالم النووي ولو في حدود منضبطة ومراقبة، ولو ضمن ما تسمح به المنظمة الدولية الخاصة بالنووي. 

 

إيران ممنوعة من تعزيز الدفاع عن أمنها القومي، كما كان الحال وما زال مع مصر وسوريا والعراق وسائر الدول العربية عموماً، فيما الكيان الصهيوني يعزز قدراته الهجومية إلى الحدود القصوى

وهذا ما عبرت عنه الاتفاقية النووية مع إيران للحد من الاستخدام السلمي للنووي. وهذا ما يفسر خروج أمريكا منها لإعادة صوْغها بشكل أكثر تشدداً، وإغلاق كل الأبواب في وجهها. 

هذه الإزدواجية تظهر صارخة اليوم أيضاً في حصار إيران، حتى الاختناق لتجريدها من برنامج الصواريخ البالستية وتطويرها، فيما يزود الكيان الصهيوني بكل تكنولوجية صاروخية متقدمة، ناهيك عن الطيران الحربي ومختلف الأسلحة. 

فإيران ممنوعة من تعزيز الدفاع عن أمنها القومي، كما كان الحال وما زال مع مصر وسوريا والعراق وسائر الدول العربية عموماً، فيما الكيان الصهيوني يعزز قدراته الهجومية إلى الحدود القصوى.

طبعاً ما تقدم مجرد أمثلة، ولا يغطي كل ما يدخل في هذا الإطار، والهدف الأول والأساسي هو تكريس مصادرة فلسطين وتصفية قضيتها لحساب الكيان الصهيوني، إلى جانب إبقاء الدول العربية والإسلامية تحت رحمة التفوق العسكري الصهيوني، أي تحت الضعف والإذلال والابتزاز، وانتهاك سيادتها وحرمانها من حقوقها التي يضمنها لها القانون الدولي. فضلاً عن نهب ثرواتها واستغلالها. 

وبالمناسبة ليس هنالك من مثال للازدواجية (والتي تتضمن العدوان والروح العدوانية)، أكثر من احتجاز القوات البريطانية لباخرة إيرانية كانت عابرة لمضيق جبل طارق. وقد أخذت الحكومة البريطانية بالدفاع عنه والإصرار عليه. ورفضت اتهام فعلتها بالقرصنة، ومخالفة القانون الدولي. ولكنها راحت تعتبر احتجاز إيران لباخرة بريطانية في أثناء عبورها مضيق هرمز مخالفة للقانون الدولي. 

ليس المهم هنا الدخول في تفاصيل الأسباب التي بررت فيها بريطانيا احتجازها للسفينة لتنفي مخالفتها للقانون الدولي، أو في تفاصيل الأسباب التي بررت فيها إيران احتجازها للسفينة البريطانية. 

 

ليس هنالك من مثال للازدواجية (والتي تتضمن العدوان والروح العدوانية)، أكثر من احتجاز القوات البريطانية لباخرة إيرانية كانت عابرة لمضيق جبل طارق

صحيح أن لبريطانيا تاريخ طويل في انتهاك القانون الدولي واستخدام سياسة القوة في السياسة الدولية. وصحيح أنها اليوم ليست في ذلك الموقع التاريخي لتمارس انتهاك القانون الدولي دون أن يجرؤ أحد على معاملتها بالمثل. وذلك لأن وضعها في ميزان القوى اليوم لم يعد كما كان في السابق. ولكنها لا تستطيع أن تنسى ذلك الماضي إذا ما تعلق الأمر بدولة مثل إيران تظنها مستضعفة. وهذا ما جرأها على الباخرة الإيرانية. ومن ثم كان على بريطانيا أن تقع في ورطة حين ردت عليها إيران بالمثل. 

لو كانت المشكلة في الاحتكام للقانون الدولي، في تحديد الدولة المعتدى عليها لحلت المشاكل الدولية جميعاً، بما فيها مشكلة حصار أمريكا لإيران والمواجهة بينهما، كما مشكلة احتجاز البواخر بين بريطانيا وإيران. 

المشكل هو الاحتكام إلى موازين القوى القائمة، وكيف تُعامَل، وكيف يُحتكم إليها. ولهذا نعيش في عالم تذهب كبريات المشاكل إلى الحرب لتجد حلاً أو استدامة للأزمات والتوتر زمناً طويلاً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"