هي فانتازيا دينية، لا تاريخية ولا جغرافية. لقد رأينا الفانتازيا التاريخية في مسلسلات تلفزيونية مسليّة، وها نحن ذا نرى الفانتازيا الجغرافية في غربة السوريين عن ديارهم، وفي حجّهم حول صندوق كرتوني ملفوف بالأسود.

 

آداء الركن الخامس في حلب

عمل طلاب معهد جامع زكي باشا الديني في حلب عملاً يكتب بالإبر على آماق البصر، وهو أداء الركن الخامس في حلب! حجّوا حجّة "سيموليشن"، حجّة تمثيل ومشاكلة، لأنهم لم يستطيعوا إلى حجّ مكّة سبيلا، والسبب هو الحظر السعودي للسوريين. وقد ذكرت مؤسسة الوحدة للصحافة والنشر والتوزيع والطبع، أنها ليست الحجّة الأولى في سوريا، وإنها ستؤدى هذه السنة في جامع عمر بن عبد العزيز، ومع أنّ الخبر يستحق أن يروى في نشرات الأخبار العالمية، فقد طمس طمساً، ولم ينقل سوى بالصور الساكنة، والسبب هو أن النظام علماني حسب مذهب حافظ الأسد، ولا ينقل سوى الأخبار العلمانية الدنيوية غير الدينية السعيدة، حتى لو كان في الخبر مواد سامة ضد خصم سياسي مثل السعودية، فمردوده الوطني قد ينعكس سلباً ونهباً على النظام السوري "المنضم"، والمنضم وصف يطلق على التربية العسكرية في سوريا لم أعرف معناه.

 

لم تكن الساعة ركنا من أركان الإسلام، لكنها ركن من أركان النظام فهو يريد الساعة واقفة.

الماليزيون يقومون عادة بالتدريب على الحج في ساحة يضعون فيها مجسماً للكعبة، ويطوفون حوله، وهم أول من فعل ذلك، تعريفاً للحجاج بمناسك الحج الأساسية وتيسيراً لهم، فأكثر الحجاج من عرب ومن عجم يعودون شاكين من ضياع بعض المناسك عليهم، بسبب الجهل بها والفجاءة والزحام والسرعة. ولم يكن حج طلاب جامع زكي باشا الحلبي من باب التدريب، وإنما من باب النكاية والتشفّي والسخرية. السلطات السورية وافقت على أداء الفقرة التمثيلية وأوفدت صحافياً، أخذ لهم لقطات ثابتة، وكتب عن حج حلب هذه العبارات الإنشائية التي نجد أمثالها في كتب الإنشاء المدرسي ومسلسلات الفانتازيا التاريخية:

"هذا ما جسّده طلاب معهد جامع زكي باشا عملياً اليوم، من خلال تمثيل مناسك الحج في صحن الجامع الأثري. أصوات التلبية المنبعثة من مكبرات الصوت (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) تصدح في الأرجاء، لتلامس شغاف قلوب المارة من تخوم الجامع، وتجذبهم كفراشات تحلقت حول مصدر النور، وحطت رحالها (يقصد الأصوات) بين الطائفين رائية منصته، خاشعة، دامعة نشوة وفرحا". 

ولم أقرأ تقريراً زاهياً مطرباً في سوريا التي كانت زاهية دوماً في تقارير صحافة النظام المنظم مثل هذا التقرير الصحافي الذي لا يخلو من أخطاء سردية ونحوية وعقائدية من قبل. وكان النظام قد أنكر علينا صنع مجسم لساعة حمص، ولم تكن الساعة ركنا من أركان الإسلام، لكنها ركن من أركان النظام فهو يريد الساعة واقفة.

 

سوريا سبّاقة في إنشاء الفانتازيا التاريخية الدرامية

وكانت سوريا البعثية سبّاقة في إنشاء الفانتازيا التاريخية الدرامية، حتى إن مصر خشيت على زوال مجدها الدرامي العريق، وما ذلك إلا رغبة من النظام في إشغال الشعب السوري الصامد عن صموده، وهرباً من التاريخ ومن الواقع. وكانت نتيجة الهرب من التاريخ أنَّ الأسد دمر سوريا تدميرا.

وحسب معلوماتي، فإنّ دولتين عربيتين هما سوريا وقطر ممنوعتان من الحج المباشر، ويمكنهما الحج عن طرق دول أخرى، أمّا الممنوعون من الحج أفراداً فكلّهم من الأخوان أو من المتهمين بالانتساب إليهم، أو الميل إليهم، ولن يرخص لهم بالحج حتى "يتسلّفوا"، ويشهدوا أن الرئيس المتغلب بالقوة هو الرئيس الشرعي، ولا شرعية للرئيس الغالب بالانتخاب، الديمقراطية رجس من عمل الشيطان.

 

ذكّرنا الحج الحلبي بقصص النظام حول فبركة المظاهرات في استديوهات قطر

السعودية تريد أن تشقَّ على شعب الدولتين لزيادة الأجر، ليس أجر الطائرات وأسعار بطاقات السفر وزيادة مدة الرحلات، وإنما الثواب الديني، فالأجر على قدر المشقة. باتت بطاقات الحج مثل صكوك الغفران منحاً وحجباً، والسعودية تهدي كثيراً من هذه الصكوك إلى أعضاء برلمان في مصر، وبرلمان حفتر، وإلى فنانات مصريات قضين أعمارهن في الجهاد، وأخلتْ لهنَّ الصحن النبوي من أجل الصورة التذكارية حتى يبرزنَها يوم القيامة للملائكة. 

قرأنا أن راقصة مصرية اسمها فيفي عبده حجتْ بعدد المرات التي وقّع فيها أحمد فؤاد نجم على بطاقات تمرد التي موّلتها السعودية والإمارات، وقد نالت صكوك الغفران شخصيات في الأردن تقرباً إليهم أو تأليفاً لقلوبهم ليس على الإسلام وإنما على السعودية، وبلغنا أن مصر تضيّق الحج على أقرباء الإخوان، وتمنعهم، وتتيح الحج لخصومهم، حتى ينالوا الجنتين، جنة الدنيا وجنة الآخرة.

 

كعبة من كرتون في حلب


بنى الحجاج الحلبيون كعبة من كرتون، واجتهدوا في تمثيل شعائر الحج مثل السعي بين الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وزمزموا ماء نهر الفرات، ورجموا إبليس المسكين بورق المراحيض الثمين، مع أنّ الحصى والحجارة كثيرة في حلب لكثرة أنقاضها. يذكر أنّ السعودية كانت قد بادرت في لفتة كريمة رحمة بإبليس كبير الملائكة الفاسق عن أمر ربه، إلى جمع الجمرات في صرر مطرزة بخيوط ذهبية اللون، قيل إنه تيسير على الحجاج. وكان إبليس قد أبلس من رحمة ربه، لكنه متفائل بالشعوب العلمانية. الأمر الوحيد الذي تجنبه حجاج كعبة الكرتون هو الأضاحي، فلو ضحوا لشبع الشعب الجائع اللحم في يوم العيد.

ذكّرنا الحج الحلبي بقصص النظام حول فبركة المظاهرات في استديوهات قطر، واستئجار مئات الآلاف من الكومبارس الذين أدّوا أدوار المتظاهرين، واستشهدوا، ودفنوا في مدافن جماعية، بيعت في المزاد العلني، من لم يحترم الأحياء فلن يحترم الأموات.
 
وكان منتظراً أنّ يبادر المصريون الظرفاء إلى ما فعله طلاب المعهد الحلبي، لكن التراجيديا السورية انقلبت إلى كوميديا، كما يقول الحاج ماركس، ويقيناً إنّ شيوخ النظام ومحلليه السياسيين أكثر حصافة ودهاء من شيوخ النظام المصري ومثقفيه، وكان أكثر من مثقف مصري قد دعا إلى السياحة في مصر، بدلاً من هدر النقود على حج السعودية مع أنها صديقة وحليفة وهي التي موّلت الانقلاب. الذين يدعون إلى تشجيع السياحة الدينية الداخلية في مصر وسوريا يظنون أنّ اقتصادهم الوطني سيتحسن بحبة وجع رأس وبعض الفيتامينات.

 

النظام السوري ما يزال يتجنب بث صور يوم عرفة التي تبثها كل تلفزيونات العالم

ظهر اسم قاسيون على ألسنة شيوخ وإعلاميين سوريين، بديلاً عن صعيد عرفة، ولم يذكر أحد القرداحة لحساسية النظام الشديدة من كشف طائفته، وتقديسه للقبور والأضرحة.

الحج هو أكثر أركان الإسلام ظهوراً وصراحة، يمكن أنّ يؤدي المسلم عباداته كلها سراً إلا الحج، والنظام السوري ما يزال يتجنب بث صور يوم عرفة التي تبثها كل تلفزيونات العالم، فخبر اجتماع مليوني مسلم، في صعيد واحد خبر كبير، لم يفعل النظام ذلك حتى عندما كان على وفاق مع السعودية، والسبب هو الخشية على علمانيته من الفساد. علمانيته تخمّرها لاهوائي. كما أن مظاهرة يكبر فيها الحجاج والتكبير لا يجوز إلا  للرئيس.

أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وكانوا قد أخذوه سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فكان لبثه عندهم اثنين وعشرين سنة في الأحساء بالبحرين. ما يُسرق هذه المرة هو الحج نفسه، إن لم يكن الإسلام كله مسروقا ويباع في سوق "السكند هاند".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"