كتبت هنا قبل أسابيع عن جانب مسكوت عنه في الأزمة أو الحرب السورية، ممثلا فيما نال الطائفة العلوية من كوارثها.


هذه السطور التالية، جاءت بعد ذلك، وهي تمثل وثيقة بالغة الأهمية تصفع وجوه شبيحة الأسد وحلفائه من طائفيين وأيديولوجيين لا صلة لهم بالإنسانية ولا بالأخلاق.
السطور هي عبارة عن منشور في "فيسبوك" لفراس رفعت الأسد، الذي يعارض النظام، خاطب بها شقيقه دريد الذي يؤيد النظام.


ستلحقها بتعليق سريع، لأنها سطور لا تحتاج سوى للتأمل أكثر من التعليق، مع العلم أننا سنحذف منها بعض الحواشي غير الضرورية حتى لا يطول المقال كثيرا، مع التدخل لإصلاح اللغة بالطبع، من دون تغيير في النص العامي.


هنا نص الرسالة:


إلى دريد ابن رفعت الأسد:


ليس ذنبي يا دريد أن عمّك (حافظ) كان قد انتصر على أبيك (رفعت)، و ليس ذنبي أن ابن عمك أصبح حاكما لسوريا، وترك لك حكم صفحة "فيسبوكية" كجائزة ترضية.


و ليس أكيدا أن ولاية العهد كانت ستؤول إليك فيما لو كان أبوك قد انتصر على عمك كما كنت تأمل، فأنت تعرف أن أخاك الأصغر بالنسبة لأبيك اليوم هو كل شيء.


ليس ذنبي يا ابن قائد سرايا الدفاع أنك لم تصبح زعيما للفرسان وقائدا عظيما.
ليس ذنبي أن أحلامك في حكم سوريا قد تحطمت أمام عينيك.


ليس ذنبي أن أباك لم ينقضّ على عمك في كفر سوسة - كما كنت تريد- عندما كانت الفرصة متاحة له (لرفعت) وهو محاط بدبابات سرايا الدفاع؛ وعمك معه بضعة مرافقين فقط؛ منهم باسل الذي قلت إن وجوده مع أبيه أيضا كان فرصة لا تعوّض.
ليس ذنبي أنني تفاجأت في أوروبا - في ظل أبيك- أن كل ما تعلمته عن الوطن والوطنية كان كذبا ونفاقا.


ليس ذنبي أنني اكتشفت في أوروبا حجم الكذبة التي يعيشها كل مواطن في سوريا.
ليس ذنبي أنكم تحاربونني منذ واحد وعشرين عاما لأنني أرفض زيارة أبيكم أو حتى التحدث إليه هاتفيا.
ليس ذنبي أنكم من عشاق السلطة والزعامة والحكم، وأنا من عشاق السلام والمحبة والتساوي بين الناس.


ليس ذنبي أن الشعب السوري قد قام ضدكم لأنكم أوصلتموه إلى حالة اليأس والانفجار.
ليس ذنبي أنني أرفض قتل وتعذيب الأبرياء واغتصاب النساء في السجون.
ليس ذنبي أنني خلقت على طبع غير طبع الإجرام والتوحش والافتراس.
ليس ذنبي أن قلبي ينكسر على كل طفل سوري يسقط في قصف مجرم لغاصب حقير أو لمحتل قذر.
ليس ذنبي أن قلبي ينفطر على عشرات الآلاف من شباب سوريا الفقراء الذين سقطوا شهداء والذين وجدوا أنفسهم يقاتلون في صفوف الجيش السوري ليحموا نظامكم الذي كان يمكنه أن يتفادى كل ذلك بشيء من التواضع تجاه شعبه.


هل كان عمّك حافظ ليرضى لنفسه أن يصبح لافروف وقاسم سليماني يأمران وينهيان في أمر سوريا كوطن وشعب وجغرافيا؟ والله لكان علق مشنقة عاطف نجيب ورامي (مخلوف) الحرامي في ساحات درعا ودمشق؛ في محاولة منه لإرضاء الشعب السوري وتفادي انهيار البلاد.
لماذا على ابن القرداحة أن يموت وشباب بيت الأسد يملؤون الشوارع ضجيجا "بالمرسيدسات"، والمقاهي بالأراجيل، والفيسبوك بالعنتريات؟


لماذا على ابن المزيرعة وجبلة ومصياف وطرطوس وحمص أن يموت وابن رامي مخلوف يتفاخر بسياراته وطائراته في دبي؟


لماذا أنت وأخوتك لا تقاتلون؟
حتى إخواتك يلي بأوروبا رايحين جايين على الشام. طيب يا أخي "اعملولكن" سياحة يومين زمان على شي جبهة!!
والله لا أتمنى لأحد فيكم أن يصيبه أذى، ولكن ماذا عن دماء مئات الآلاف؟! أليسوا بشرا مثلكم؟ هل أولادكم أغلى من أولاد الفقراء؟
فعلا ما عم أفهم شغلة.. إنو يعني ربنا خلقكم للزعامة وخلق العلوي الفقير ليموت كرمال هالزعامة؟
ليس ذنبي يا ابن الدكتور أنكم قتلة ومجرمون وسفاحون تدمّرون بلادكم وتسحقون شعبكم وتتسببون بقتل مئات الآلاف وتُخضعون بلادكم للاحتلال الأجنبي من أجل كرسي.


ليس ذنبي أنني لا أريد أن أحمل وزر ذلك أمام الله وضميري.
ليس ذنبي أنني لا أريد لأولادي أن يحملوا وزر كل ذلك القتل والإجرام والاستخفاف بأرواح الملايين من البشر.
ليس ذنبي أنني خفت من اليوم الذي سوف يسألني فيه أولادي عن موقفي من كل ما حصل.
ليس ذنبي أنني أحمي أولادي من لحظة يكبرون ويقرأون فيها ماذا فعل جدهم في تاريخه؛ وأنا الذي علمتهم أن يحترموا حتى حقوق الحيوان.


ليس ذنبي أنني أردت القطيعة مع كل هذا التاريخ حتى يحترمني أولادي عندما يكبرون وحتى أكون الحلقة التي تنكسر وتنفصل عن سلسلة الإجرام، فتفصل بينها وبين سلسلة جديدة تفيض بالمحبة والإنسانية.
ليس ذنبي أن الكثيرين من شعبنا يصدقونكم وأنتم تريدون أن تكذبوا إلى أبد الآبدين.
ليس ذنبي أن الكثيرين في شعبنا لا يدركون معنى الوطن، فيعتبرون أن من يسرق بلادهم بطولها وعرضها ثم يعطيهم بعد ذلك بيتا أو سيارة أو راتبا ليشتري منهم ولاءهم، إنما يتفضل عليهم وعلى أولادهم.


ليس ذنبي أن ضميري يجبرني على كتابة الحقيقة للناس حتى أضيء شمعة في عتمة تفرضونها على العقول منذ خمسين عاما.
ليس ذنبي أن قلبي قد انكسر على فادي القوزي - سائقي الفقير- الذي قتلته حربكم اللعينة هذه.
ليس ذنبي أنني أرفض الانتماء إلى عائلة لها ألف وجه ووجه، إلى عائلة لا تحلل ولا تحرّم، إلى عائلة لا تعرف الله ولا الضمير، ولا يعرفها الله ولا الضمير.


ليس ذنبي أنكم تكنزون صناديق الذهب والألماس وقطع "الآثار" في أقبية "فوش"، بينما يموت الفقراء على الجبهات دفاعا عنكم وهم يهتفون لكم.
ليس ذنبي أنني لم أتمكن من الفخر بكم وأنا أعرف الحقيقة.
ليس ذنبي أنني رفضت أن أكون عميلا رخيصا للأجانب.
ليس ذنبي أنني صرخت في وجه ذلك العقيد السعودي وقلت له أن يحمل هو بنفسه حقيبة المال إلى السيارة.


ليس ذنبي أن أباك أرادني ذليلا أمام الآخرين من أجل المال.
ليس ذنبي أنني أرفض الحرص على حصتي من إرث أبيك المالي بينما تحرص عليها أنت بأسنانك ومخالبك وأنيابك، ولهذا تتنطح للرد عليّ في كل مرة أتعمق فيها بذكرياتي أكثر فأكثر حتى يرضى أبوك عن أدائك الجيد.


ليس ذنبي أن لدي أخ لم يفكر يوما في خصم ثمن كوب واحد من العصير من فاتورة أخيه على مدى سنوات وهو يأكل في مطاعمه.
ليس ذنبي أن ربك هو المال يا دريد.. وهو ليس ربي!
ليس ذنبي أنكم لا ترون في العلويين سوى قطعانا من البقر لتحلبوها، والحمير لتركبوها.
ليس ذنبي أن أباك رفض طلباتي المتكررة - عبر إخوتك- للقطيعة مع الماضي، والاعتراف بالذنوب، ووضع كل إمكانياته المادية في خدمة الفقراء وأبناء الشهداء والمحتاجين من السوريين في الداخل والخارج.


ليس ذنبي أن المال لديكم أغلى من دماء الملايين.
بلّغ أباك يا هذا بأنني أقول له أفٍّ و أفٍّ وأفٍّ..
بلغه بأن القرآن - الذي لم يؤمن به يوما- لم يقصده هو شخصيا في تلك الآية الكريمة. فالآية تحدثت عن الوالدين من أبناء آدم من البشر.
بلغه بأن الخوف القديم قد زال من القلب.
بلغه أنه كان عليه ألا يتردد في رميي في بحيرة جنيف يوم حملني إليها فرسانه الصناديد المغاوير.. لكان الآن مرتاحا مني و من كتاباتي.


بلغه أن إرادتي اليوم قد أصبحت لا تقهر، فأمي قد تجاوزت الثمانين والمرض لم يعد يترك لها مكانا لهمٍّ آخر مثل همّه.
و بلغ نظامك في دمشق أن أمي التي يحرمني من زيارتها سوف أراها.. إن لم يكن في دمشق فسيكون على أبواب السماء.
قل لهم بأن حذاء أمي برؤوسهم جميعا.


و أخيرا "يا دريد.. يا إبن أبو دوريد"..
إياك أن تقول مرة أخرى إنك أخي، نحن لم نكن يوما أخوة، ولم يكن يوما أبوك أبي.
ابحث في صفحتي منذ ثمانية أعوام وحتى يومنا هذا، ابحث في مئات المرات التي تحدثتُ فيها عن أبيك في ذكرياتي أو في تعليقاتي، سوف لن تجدني مرة واحدة أسميه فيها أبي - ولا مرة واحدة- وأقول والدي حتى أوضح كلامي وحتى لا يضيع الناس في فهم الحديث. أما أبي فلا..
بيني وبينكم دماء مائة ألف علوي فقير - أو يزيد- قتلوا ليحافظوا على عروشكم.
بيني وبينكم دماء نصف مليون سوري فقير - أو يزيد- قتلوا لأنكم قلتم لهم فسادنا قدر، واستبدادنا قدر، وسجوننا قدر، وقهرنا قدر، ونحن ربكم الأعلى الذي سوف تعبدون..


حتى عاطف نجيب الفاسق ورامي مخلوف السارق قلتم لهم بأنهم قدر.. فكفرت الناس بكم وبالوطن وبالقدر.
بيني وبينكم أشلاء الآلاف من أطفال سوريا التي مزقت براميلكم وقصفكم العشوائي أجسادهم وطمرتهم تحت ركام بيوتهم.
بيني وبينكم دماء سائقي الطيب الفقير فادي القوزي.
بيني وبينكم صحراء شاسعة كل حبة تراب فيها تصرخ أنكم ظالمون.
بيني وبينكم بحار ما ارتفعت فيها موجة إلا لتشير إلى فجوركم وتجبّركم على الناس.
بيني وبينكم كلمتان وحرف..
اصمت..


لن أصمت!
انتهت الرسالة.
إنها رسالة لا تحتاج إلى أي تعليق، ولكنها تذكّر الشبيحة في كل مكان بطبيعة هذا النظام المتوحش، وبطبيعة هذه الأسرة القاتلة، وبحقيقة ما جرى ويجري في سوريا، قبل الثورة وبعدها.
لا تحتاج هذه الرسالة إلى أي تعليق، فأي تعليق سيُفسد أجواءها الإنسانية التي تؤكد أن كاتبها هو رجل انتصر للإنسان بداخله، وداس على الطائفية والقبلية وكل أشكال الانتماءات التي تلغي العقل وتدوس على الضمير.


بقيت إضافة مهمة ذات صلة بالتعليقات المسيئة التي تأتي على منشورات هذا الرجل من مؤيدين للثورة (قد يفعل ذلك شبيحة النظام بالطبع وهو يلبسون ثوب تأييد الثورة)، ذلك أن وجود "علوي" يتحدث بهذه اللغة هو أمر يستحق التشجيع، وليس العكس، فالثورة في بدايتها هتفت للوحدة، ومن روّج الطائفية لتجييش العلويين والأقليات لمصحلته هو النظام، وهو ذات من "عسكر" الثورة بقرار منه؛ إدراكا منه لحقيقة أن ذلك سيسهل وصمها بالإرهاب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"