في لقاء خاص جمع قياديا إسلاميا فاعلا في بيروت مع عدد من كوادر الحرة الإسلامية، نوقشت هموم وقضايا الحركة الإسلامية المتنوعة.

وهذا النقاش يشكل استكمالا لسلسلة الحوارات والنقاشات التي كانت تجريها هذه المجموعة الإسلامية المتنوعة؛ مع المرجع الإسلامي الراحل السيد محمد حسين فضل الله في ثمانينيات القرن الماضي. وكان السيد فضل الله ينشر مقالاته ونصوصه وأفكاره في عدد من المجلات الإسلامية الفكرية، ويناقش فيها كل قضايا وهموم الحركة الإسلامية، ومن ثم صدرت هذه النصوص في كتاب خاص حمل العنوان نفسه. وقد استفزت هذه النصوص آنذاك بعض قيادات الحركة الإسلامية بسبب جرأتها ورؤيتها الاستشرافية والمستقبلية، وإن كانت هذه القيادات قد تبنت لاحقا معظم ما طرحه السيد فضل الله في كتابه.

واليوم تعود هذه المجموعة الإسلامية الحركية لمناقشة هذه الهموم والقضايا التي تواجه الحركة الإسلامية؛ مع عدد من القيادات السياسية والفكرية والجهادية، إضافة لما استجد من قضايا وأحداث وتطورات متنوعة، سواء ما يتعلق القضية الفلسطينية، أو الصراع المذهبي، أو دور الحركات الإسلامية في السلطة، أو العلاقة بين الدولة والمقاومة، أو الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة.

وفي لقاء جرى مؤخرا مع أحد القياديين الإسلاميين البارزين في لبنان قال هذا القيادي: لقد حققت الحركات الإسلامية في السنوات الأخيرة تقدما كبيرا في المجالات السياسية والجهادية، وأصبحت هذه الحركات حاضرة بقوة في العمل السياسي والمقاوم، لكن للأسف فإننا نلحظ اليوم غياب المشروع الفكري الإسلامي المتكامل والذي كانت تطرحه هذه الحركات أو بعض المفكرين الإسلاميين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، والذي كان يواجه الأفكار الرأسمالية والشيوعية والقومية. والإجابات التي تقدم اليوم حول مختلف القضايا والتحديات لا تزال إجابات قديمة وغير متجددة.

ويضيف القيادي الإسلامي: إن مسؤولية بلورة المشروع الإسلامي المتكامل ليست محصورة بالعلماء أو من يتولى مسؤوليات دينية، بل هي مهمة كل المثقفين والمفكرين الإسلاميين الذين ينبغي عليهم اليوم إعادة طرح الإشكالات المستجدة والتحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين، سواء من منظور فكري وثقافي أو من منظور سياسي وحضاري وجهادي.

ولقد أدى بروز تنظيم داعش والتنظيمات العنيفة إلى طرح الكثير من الإشكالات والأسئلة على الدين الإسلامي، كدين سماوي يطرح نفسه كحل للبشرية وكمشروع متكامل لمعالجة هموم الناس. لكن ما لاحظناه أن الإجابات والمساهمات الفكرية التي قدّمت وتقدم حتى اليوم لا تزال قاصرة عن الإجابة عن الكثير من الأسئلة؛ التي آثارها بروز تنظيم داعش وأشباهه من التنظيمات.

ويتابع القيادي الإسلامي في حواره مع مجموعة الكوادر الإسلامية المتنوعة: للأسف لا زلنا نعيش بقوة في أجواء الفتنة المذهبية والصراعات المذهبية، ولم تنجح حتى الآن الجهود التي تبذل لوقف هذه الصراعات، بل إن الخلافات السياسية والجيو- السياسية في المنطقة فاقمت هذه الصراعات، وتداخلت معها الصراعات الإقليمية والدولية، ولم نستطع حتى اليوم إيجاد حلول عملية وتسووية لهذه الأزمات والصراعات، مما فاقم الأجواء المذهبية وانتشارها على المستوى المجتمعي والفكري والحياتي.

ويضيف: رغم انتشار الإسلام والمسلمين في العالم اليوم، وزيادة عددهم وتوسع وجودهم على مستوى الدول والمجتمعات، فإن ما نخشاه أن كل هذا الوجود هو مجرد فورة عددية وشكلية، في حين أن المسلمين لم يكونوا بمستوى الدين الإسلامي وحقيقته، وأن ما يصل للعالم من أفكار وطروحات حول الإسلام يشوه صورة الإسلام، ويزيد من أجواء المخاوف وما يسمى "الإسلاموفوبيا". وكل ذلك يؤسس لصراعات جديدة مستقبلا، سواء بين المسلمين أنفسهم أو بينهم وبين بقية المجتمعات والشعوب. وهذا يتطلب إعادة التفكير بالمشروع الإسلامي الحضاري اليوم، وما هي الأولويات المطلوبة، وماذا عن علاقة المسلمين بالمجال العام والشأن العام، وكيف نحقق الحضور الإسلامي الشامل على مستوى العالم وهموم الناس المختلفة؛ البيئية والاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.

ويختم القيادي الإسلامي: نحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة للمشروع الإسلامي، وعقد خلوات أو مؤتمرات أو مجمعات تشبه إلى حد ما ما تقوم به الكنائس العالمية من مؤتمرات كل فترة، من أجل اعادة التفكير الشامل بالمشروع الإسلامي، وهل هو مشروع سلطة وحكم أو عمل جهادي ومقاوم فقط؟ أو هو مشروع إسلامي شامل قادر على تقديم رؤية فكرية جديدة حول العالم؟ كما أننا نحتاج لقرارات جريئة لتجاوز الأزمات والصراعات المذهبية، وإعادة التفكير حول علاقة الدولة بالمقاومة وموقعنا من الصراعات الدولية والتحديات المختلفة، بعيدا عن خلافاتنا السياسية أو المذهبية أو القُطرية.

تلك بعض الهموم والقضايا التي تناقش في اللقاءات الحوارية في بيروت، وهي تشبه إلى حد كبير ما يجري من نقاشات وحوارات إسلامية وفكرية في عواصم ومدن عربية وإسلامية أخرى. فهل تمهد لإعادة بلورة المشروع الإسلامي الجديد، أم سنظل غارقين في الصراعات والخلافات المذهبية والسياسية؟ ومن يتجرأ للدعوة إلى إجراء المراجعة الشاملة؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"