قسما بالنازلات الماحقات، والدماء الزاكيات الطاهرات، والبنود اللامعات الخافقات في الجبال الشامخات الشاهقات، نحن ثرنا فحياة أو ممات، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا.

شهدت الملاعب المصرية التي وُجد فيها الجمهور الجزائري أثناء مباريات بطولة كاس الأمم الإفريقية 2019 التي تستضيفها مصر زئير أبناء الجزائر مع بداية كل مباراة بنشيدهم الوطني المختلف حقيقة عن أي نشيد آخر، وربما كانت الحماسة التي ظهرت على لاعبي المنتخب الجزائري وأداؤهم الراقي كرويا نتاجا لحماسة الجماهير أثناء غنائها كلمات النشيد الوطني للجزائر وهو ما نال استحسان رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر وغيرها من الدول المشاركة في إشارة إلى الانتماء الشديد والروح العالية التي رافقت أبناء الجزائر لاعبين وجماهير ومعلقين رياضيين أيضا طيلة أيام البطولة.

بطولة كأس الأمم الإفريقية في مصر أرادها السيسي ونظامه لقطة سياسية يضيفها إلى رصيده وأرادها إعلامه لقطة يرفع بها أسهمه لدى المتابعين وأرادها اتحاد الكرة لقطة يضيف بها "سبوبة" إلى خزائنه، وشاءت الأقدار أن تتحول تلك البطولة إلى ملحمة جزائرية على أرض مصرية أولها كآخرها بطولة رد الاعتبار لأبو تريكة.


"دائمًا ما أقول إن كرة القدم تُلعب بالروح والمنتخب الجزائري أعطانا درسًا، أحب اللاعبين الذين يخوضون المباريات بقلوبهم، الكل يبكي بعد الفوز وهذا نتيجة تضحية وشغل كبير، والله يعطي على قدر المجهود.. عقدوا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا" هكذا وصف النجم المصري محمد أبو تريكة أداء لاعبي الجزائر طيلة مباريات البطولة مستشهدا بنشيدهم الوطني الذي طالما ألهمهم وألهب حماسهم، فكان الرد الجزائري على أبو تريكة مهيبا فالدقيقة الثانية والعشرين من كل مباراة كانت شاهدة على هتاف آخر وزئير متجدد للجمهور الجزائري ولم يكن هتافا بالنشيد الوطني الجزائري هذه المرة ولكنه كان تكريما لأسطورة حملت الرقم اثنين وعشرين وتظاهرة حب داخل كل الملاعب التي وُجدوا فيها ورد اعتبار لنجم الكرة المصرية محمد أبو تريكة.

الجمهور الجزائري وعلى الرغم من حوادث ترحيل السلطات الأمنية المصرية لبعضهم دون أسباب إلى الجزائر تحدى طائرات الدرونز الأمنية ومخبري جهاز الشرطة المصرية اللذين أرسلهم النظام المصري ليراقبوا من يهتف باسم أبو تريكة داخل المدرجات، فكان الجزائريون حاضرين بهتافهم "الله أكبر.. أبو تريكة" في رسالة واضحة أن هذا الشعب الذي وقف ضد بوتفليقة وعصابته لا يخشى كثيرا السيسي وعسكره. 

أبو تريكة الذي اتهمه النظام العسكري في بلاده بالإرهاب وأطلقوا عليه أذرعهم الإعلامية لتخوض في سمعته وتحاول النيل من تاريخه، أطلقت له الجماهير المصرية والعربية هاشتاج "#اهتفـ لتريكة" قبل بداية البطولة وهو ما حدث بالفعل في محاولة لرد اعتبار النجم الكبير.

 

رد الاعتبار الجزائري لأبو تريكة لم يكن في المدرجات الجزائرية فقط بل امتد إلى واحد من أبرز المعلقين الرياضيين على الساحة العربية الآن، وهو حفيظ دراجي الذي نشر صورا لزيارته لبيت عائلة أبو تريكة في قرية ناهيا ولقائه بوالدة أبو تريكة وأسرته في بادرة لم يفعلها قبله أي شخص آخر داخل أو خارج مصر بشكل معلن.

أبو تريكة هتفت له الجماهير الجزائرية في مباراة الأهلي ومولودية وهران في أغسطس/ آب من عام 2011، ثم ذهب لحضور تكريم في العاصمة الجزائرية بعدها بسنوات ليقف له جميع من في القاعة احتراما وتقديرا عندما تحدث عن تقديره للجزائر


زيارة دراجي لمنزل أبو تريكة يحمل رسائل بالغة الأثر والقوة، فتفاعل الجمهور المصري مع تلك الزيارة عبّر مرة أخرى عن ما يحمله الشعب المصري لقيمة أبو تريكة، وعبّر أيضا عن ما يحمله الشعب الجزائري من احترام وحب وعاطفة تجاه الشعب المصري ورموزه.

حفيظ دراجي صاحب مواقف ثورية ووطنية يشهد بها القاصي والداني، ولكن أن يحمل على عاتقه رسالة رد اعتبار لأبو تريكة بزيارة كهذه قد تفتح عليه أبواب جهنم داخل مصر وخارجها هو أمر يستحق أن نتوقف عنده كثيرا فالرجل في مهمة عمل وسيعود إلى الدوحة بعد انتهاء البطولة فلماذا يغامر مغامرة كهذه قد يخسر منها؟

الإجابة ببساطة أن دراجي راهن وهو يعلم علم اليقين أن رهانه على وعي الشعوب وليس على الدعاية السوداء للأنظمة القمعية في العالم العربي، فمن يتابع ردود الأفعال على صور دراجي مع والدة تريكة وردود الأفعال على تعليق تريكة وشكره لدراجي على مبادرته يعلم جيدا أن ملايين تنفقها الأنظمة في بلادنا العربية وقنوات فضائية تفتح أبواقها بالساعات لتمرير رسالة واحدة ضد شخص بعينه لا يمكن أن تحرك رأيا عاما مصريا أو جزائريا في قضية تتعلق برمز مثل أبو تريكة.

وفي تلك الزيارة أيضا رسالة من دراجي للجميع، بأن رمزية أبو تريكة لم يغيرها إعلام أو يشوهها اتهام باطل بالإرهاب، فعلى مدار السنوات الماضية ومنذ الأزمة الشهيرة بين مصر والجزائر أثناء تصفيات كأس العالم 2010 في مباراة أم درمان الشهيرة كان أبو تريكة هو حمامة السلام ما بعد هذه المرحلة المشؤومة التي قادها نظام البلدين بإعلاميهما للوقيعة بين البلدين.

أبو تريكة هتفت له الجماهير الجزائرية في مباراة الأهلي ومولودية وهران في أغسطس/ آب من عام 2011، ثم ذهب لحضور تكريم في العاصمة الجزائرية بعدها بسنوات ليقف له جميع من في القاعة احتراما وتقديرا عندما تحدث عن تقديره للجزائر ووصيته أن يدفن مع تيشيرت تعاطفا مع غزة، الذي رفعه قبل ذلك في بطولة أمم إفريقيا 2008.

بطولة كأس الأمم الإفريقية في مصر أرادها السيسي ونظامه لقطة سياسية يضيفها إلى رصيده وأرادها إعلامه لقطة يرفع بها أسهمه لدى المتابعين وأرادها اتحاد الكرة لقطة يضيف بها "سبوبة" إلى خزائنه، وشاءت الأقدار أن تتحول تلك البطولة إلى ملحمة جزائرية على أرض مصرية أولها كآخرها بطولة رد الاعتبار لأبو تريكة. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"