كانت دورة لكرة القدم مما ينظم دوريا، ولكنها دورة كاشفة لأمر لا تخطئه العين.. المشاركة العربية كشفت شوقا جارفا للوحدة والديمقراطية لدى الشعب العربي المقسم إلى أقطار تتنافس؛ ويود مقسموها لو تتناحر من أجل الغنائم، صغيرها وضنينها، وأن تستحيل حدودها البينية إلى جدران لا تُكسر. ولكن جمهور الكرة، كخميرة معبرة عن الجمهور الواسع، قال ويقول، وخاصة في هذه الدورة، إن الحدود وهمية، وإن الشعوب الكثيرة في حقيقتها شعب واحد، وإنه قد صار لها الحق أن تحكم بالديمقراطية لا بالانقلابات العسكرية، وقد زاد الربيع العربي المتعثر في تخمير هذه العجينة التي لا تفسد، وإن حيل بينها والمؤشرات كثيرة.

شماتة بمصر

الدورة من تنظيم بلد عربي، ولكن هزيمة فريق البلد المنظم لم يثر تعاطفا كبيرا مع مصر، بل سمعنا وقرأنا عبارات الشماتة، وبعضها مبالغ فيه، إذ يميل إلى تحقير الذين رضوا لأنفسهم بالذل فحكمهم انقلابيون بعد أن انتزعوا حقوقهم في الديمقراطية. وقد قرأنا لمصريين يشمتون بفريقهم نكاية في عسكرهم الذين حرموهم من تنمية شعور بالانتماء، ويقولون إن الشعور الوطني عندهم انكسر لأن بلدهم لم يعد لهم، وإنما هو ملك حصري للطغمة العسكرية الفاسدة، حتى إن أي انتصار كروي كان سيجيّره العسكر لصالحه ويعتبره مكسبا لشخص الرئيس الانقلابي.

ويذهب مصريون إلى مشاركة التونسيين والجزائريين فرحهم بالانتصار والتقدم في المنافسة، رغم أن الجمهور في أغلبه أعرض عن المتابعة، وبعض ذلك الإعراض عائد إلى غلاء التذاكر في بلد صار فيه الخبز (العيش) غير متاح للكثيرين.

خلاصة الموقف الشعبي العربي، وجزء كبير منه مصري، أن لا داعي لانتصار يسرقه العسكر فيضيفونه إلى وسائل الدعاية الممجوجة التي يعيش منها، وهذا مؤشر على تبلور وعي شعبي جديد يربط بين الشعور بالانتماء الوطني، وضرورة وجود الديمقراطية التي تحول فريق الكرة إلى فريق الشعب لا فريق الحاكم.. (فضلا عن انكشاف ملفات الفساد في التسيير الرياضي، ومحاباة الفرق واللاعبين النجوم، وهو فرع من فروع الفساد المستشري بلا رقيب شعبي. فكم من لاعب قدير بقي خارج التشكيل الرسمي الذي يتدخل الحكام في اختياره، رغم أنهم من خارج ميدانه؟). الكرة (لعبة الشعب) كشفت شعبا يكره بلده؛ لأن الحاكم حال بينه وبين حب هذا الوطن.

وحدة أقطار المغرب العربي

لقد صارت هذه الوحدة حقيقة لا مراء فيها، وقال الجمهور أن لا حدود.. خسر الفريق المغربي فسمعنا آهات الألم من نواكشوط إلى طرابلس، ثم حول الجمهور في الأقطار الخمسة أشواقه إلى فريقي تونس والجزائر الباقيين في المنافسة، وسنرى هذا الجمهور العريض يقف خلف الفريق الجزائري في المقابلة النهائية بعد أن خرج الفريق التونسي.

لما انسحب الفريق المغربي ذهب الجزائريون إلى النقطة الحدودية مواسين، ولما تقدمت الجزائر في المنافسة جاء المغاربة عند النقطة الحدودية مهنئين.. (من غرائب التسميات أن النقطة الحدودية الأشهر بين البلدين تسمى "الزوز أبغال" أي البغلين، كأنما تشير إلى النظامين الحريصين على بقاء الحدود مغلقة في وجه الشعب الواحد المقسم إلى شعبين).

أما الجزائريون الذين يقضون عطلة الصيف في تونس (مليون زائر كل صيف)، فيرفعون أهم شعار وحدوي أطلقه الشعب العربي حتى الآن (خاوة، خاوة وترجمتها إخوة، إخوة). وتعج المقاهي التونسية بجمهور يحمل راية الجزائر والراية التونسية، ويصفقون معا لكل حركة ولكل هدف. وقد تألموا سوية لخروج تونس التي لن تلعب النهائي مع الجزائر، وقال كثيرون "يا فرحة ما تمت". بل ذهب تونسيون إلى حد الإفراط في الحماس للفريق الجزائري، ورأوا أن انتصارا كرويا سيرفع من عزيمة الشارع الجزائري ويمكّن لشعار "يرحلوا قاع".

تبلور شعور الوحدة مرتبطا بالديمقراطية

هذه حقيقة تفجع الأنظمة.. الشعب العربي توحد رغم الحدود القُطرية التي صارت وسيلة الأنظمة للحكم أكثر منها وسيلة الغرب الذي سطر الحدود ذات استعمار. توفرت فرص كثيرة لاختبار هذا الشعور الشعبي العفوي (الخالي من الحسابات)، خاصة في الحماس المبدئي لتحرير فلسطين.. (لا أتحدث هنا عن حقد أيديولوجي يسكن بعض السياسيين الذين يفضلون حكم العسكر ويذهبون إلى حد التطبيع نكاية في ضرائرهم الإسلاميين، حيث تصير حركة حماس عميلة للصهاينة ويصير دحلان بطلا قوميا).

وفجيعة الأنظمة تتضاعف في الربط بين الوحدة والديمقراطية، فكما تجير الأنظمة الانتصارات لصالحها يعمل هذا الوعي على استعادة شعور الانتصار لصالح بناء أنظمة ديمقراطية ذات تصرف رشيد بدأ بالرياضة، حيث يعرف الجمهور كواليس اختيار التشكيل الرسمي والعبث بقدرات اللاعبين بتقديم ذوي الحظوة وتأخير ذوي الموهبة.

الرياضات والجماعية منها صارت محرارا لقراءة أمزجة الشعوب، والأمر أكثر دلالة في أوساط الشارع العربي الذي عرف حقوقه ويتمسك بها، وأهمها أن لا تقوم بين الشعب الواحد حدود موهومة، وأن لا يحكمهم انقلابي مجرم. وأعتقد أن زمن إثارة النعرات القُطرية التي تحرضها الأنظمة لإبقاء حالة الفرقة والتشتت قائمة؛ قد ولى، وأن لا مجال أن نعيش مرة أخرى معركة بين الجزائر ومصر من أجل كرة القدم.

لقد انتبهت الغوغاء التي صنعتها الأنظمة من غفلتها، ولم يعد يمكن حكمها إلا بالديمقراطية، ولا أفق أمام الأنظمة إلا أن تسلم بضرورة بناء الوحدة والاقتصاد المشترك وفتح الحدود (الحريات الخمس للرئيس المرزوقي)، وهي المطالب التي رفعها الشارع المثقف والنخبوي وقت الثورة (2011)، حيث تردد مع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ شعار "الشعب يريد تحرير فلسطين". هذا الشعور يحول محمد أبو تريكة (اللاعب رقم 22) إلى بطل قومي عربي أقرب إلى قلوب الجماهير من جمال عبد الناصر، وقد وحّد من العرب أكثر مما وحّد عبد الناصر وصدام حسين مجتمعين.

إننا إزاء بدايات جديدة؛ ليست الرياضة والملاعب إلا ميادين تعبير عنها. فشعارات السياسة والرياضة صارت واحدا، وعلى علم الاجتماع أن يبلور الأمر في كراسات جديدة خارج نظرية غوغاء الجماهير الهمجية، كما وصمها مثقفو الثورة الفرنسية المولية. لقد صار لاعبو الكرة أكثر تمسكا بلغتهم الأم من مثقفي الجامعة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"