الصعوبة والجمال مرتبطان.. وهذا وراء الإعجاب بمحاربي الصحراء..
الفريق يمتلك فريقين.. ومجموعة فريدة من اللاعبين والمواهب ويقودهم قائد يدعى بلماضي..
هذا منتخب يهاجم ويدافع.. وأسقط نظريات الذين يضحكون علينا بالاختيار بين الدفاع وبين الهجوم!

** إن كرة القدم الجيدة لعبة صعبة، وكرة القدم الجيدة لعبة جميلة، وكلاهما -الصعوبة والجمال- مرتبطان وترى الصعوبة في التكتيك الجماعي المطبق بمنتهى الدقة، وحين ترى هذا التكتيك الجماعي الصعب يطبق بمهارة وفن يزداد الإعجاب، بالفريق الذي يلعب تلك الكرة.. وهذا وراء إعجابنا جميعا بمنتخب الجزائر، أو بمحاربي الصحراء الرائعين. 


** تابعت منتخب الجزائر في مبارياته الأربع.. وكم كانت تلك المباريات دروسا وحصصا للذين يرون جماعية الأداء مجرد استحواذ وتمرير، وكم كانت تلك المباريات حصصا ودروسا في الروح القتالية، ومعنى المساندة دفاعيا وهجوميا، وكم كانت تلك المباريات دروسا وحصصا في قيمة المدرب وفي قيمة شخصيته القوية الفاهمة. 

 

** لم تكن مباراة غينيا في دور الستة عشر أفضل مباريات منتخب الجزائر، ولكن الأفضل كانت أمام السنغال لقوة الفريق السنغالي، وقد لعب جمال بلماضي مبارياته الأربع بأساليب مختلفة، وبجماعية فيها سيطرة وتنظيم شديد التعقيد والصعوبة ولو بدا الأداء سهلا وسلسا.. فالفريق يملك الحلول الهجومية، ويملك رأس الحربة الذى يتحرك، ويهدد، ويفتح على الأطراف، ويذهب إلى العمق، ويساند ويتلقي المساندة، ويدافع ويهاجم، ولا يسكن ولا يقيم فى منطقة الجزاء.. ولا تضايقه المساحات الضيقة، بينما رؤوس حربتنا تخنقهم المساحات الضيقة.. إنه بغداد بونجاح وله بديل ناجح وهو إسلام سليماني.. والفريق يملك مواهب ومهارات ويملك دكة احتياطية عامرة، ويكفي أناس هذا المحترف الصغير في نابولي الإيطالي.


** منتخب الجزائر يلعب كرة القدم التي نريدها لمنتخب مصر وكنا نتمناها. إذ يدافع ويهاجم. فلا هو يدافع فقط مثل كوبر ويبهر دراويشه، ولا هو يهاجم فقط أو يغامر فقط ويقنع تلاميذه. لا.. وألف لا.. منتخب الجزائر يجعلك تحب كرة القدم بما فيها من صعوبات وتعقيد، لأنك قد تراها لعبة سهلة. وتلك هى متعة اللعبة الحقيقية.. وواجب كل فريق كبير أن يدافع ويهاجم.. وغير ذلك هي مبررات وتمريرات الفاشلين.. تماما مثل جملة: "المهم النقطة وليس الأداء.. والمهم النتيجة وليس الأداء".


** لا أعني الآن أن منتخب الجزائر سيفوز باللقب، لكنه من المؤكد مرشح للقب.. ففي كرة القدم منتخبات عبقرية خسرت بطولات من البرازيل وهولندا إلى ألمانيا وفرنسا.. فلا شيء مضمون في لعبة تقوم فلسفتها ومتعتها على الشك فى نتائجها الأخيرة. 


** منتخب الجزائر قدم لنا الكرة الجديدة الحقيقية، وأسقط كل الأكاذيب، وكل التبريرات التي يطلقها الفاشلون والساقطون.. عن الدفاع وعن الهجوم كأن علينا أن نختار بينهما.. كما يطلقون بدعة الأداء أو النتيجة.. وقد أعطى محاربو الصحراء دروسا في كرة القدم، وفي كيفية ممارستها بالطاقة القصوى، وبإبداع، وبمهارات وبأداء جماعي منظم للغاية، ولا تهاون فيه على الإطلاق. 


** في الدقيقة 65 كان الفريق متقدما بهدفين على غينيا، فأصدر جمال بلماضي تعليماته على لاعبيه بالضغط العالي والهجوم لمنع منتخب غينيا من بناء هجمة منظمة، وفي الدقيقة 90 كان منتخب الجزائر متقدما بثلاثة أهداف، والكرة مع لاعب من فريق غينيا وسط الملعب لا تشكل خطورة، فضغط عليه ثلاثة ثم أربعة ثم خمسة لاعبين جزائريين، لاستخلاص الكرة.. يا.. إلهي (مع الاعتذار لفهد العتيبي) ما هذه الروح، ما هذا التنظيم، ما هذه الجدية؟!


** هذا تدريب، ومهارات لاعبين. هو عقل مدرب فى الملعب، وقدرات في أقدام لاعبين. وقوة ولياقة. فما يطبقه منتخب الجزائر يحتاج إلى لياقة كبيرة، وتصميم أكبر، وروح قتالية ومشاعر وطنية أيضا تدفع اللاعب إلى بذل أقصى جهد بأداء جاد وحقيقي، وليس أداء مظهريا، شكليا، كاذبا، يقوم على التحليق من بعيد كما كان يفعل لاعبونا، وكان ذلك دليلا على أن المنتخب "مش قادر"، ويلعب بخطة "احنا اللي خرمنا التعريفة"!


** حضر منتخب الجزائر وهو فريق يبدو غير مرشح، بسبب تصنيفه وتاريخه في أفريقيا، ومبارياته الودية. وهذا من اسوأ النظريات أيضا. فالعبرة بالأداء اللحظي والأداء في كل مباراة، وقدر توظيف المهارات، وكيف يلعب الفريق كرة جماعية.. وروح لاعبيه القتالية، وهو الأمر الذي حققه منتخب مدغشقر القادم لأول مرة لنهائيات الأمم الأفريقية.. بينما خرج منتخب مصر المرشح الأول وخرج منتخب الكاميرون حامل اللقب وخرج منتخب المغرب أحد المرشحين، وفيى قبعة كأس الأمم مفاجآت أخرى. 

 

** كرة القدم في الواقع هي رحلة حزينة من المتعة والواجب والمجد والخيبة والاستغلال والبؤس والحب والصراع بين الحرية والخوف كما يراها إدواردو جاليانو، وهي كما قال يوما الفيلسوف الفرنسي الجزائرى الأصل ألبير كامو: "كل ما أعرفه عن الأخلاق وواجبات الإنسان أدين به لكرة القدم"!

 

(عن بوابة الشروق المصرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"