1ac8d5bd-1a33-47a0-b731-435b03c5c7db.jpg

مقالات

أنور الجمعاوي

يسير الحراك الجزائري بخطى جَمعيّة ثابتة نحو تحقيق أهدافه، ومنظومة الحكم تبذل جهدها للتخلّص من تركتها البيروقراطية، الشمولية، القديمة، وتُبدي، ولو إلى حدّ ما، تفهّماً لمطالب المحتجّين المشروعة، وتحاول إصلاح ذاتها، وتغيير خطابها ليستجيب لمستجدّات الشارع وتطلّعاته.

تشهد الجزائر، منذ 22 فبراير/ شباط الماضي، حراكا احتجاجيا شعبيّا عارما، شمل مختلف الولايات، وشارك فيه مواطنون ومواطنات من فئات عمرية وطبقات اجتماعية، وخلفيات سياسية، وقوى مدنية، مختلفة. والجامع بينهم، على اختلافهم، الشوق إلى التغيير والتوق إلى التجديد. وتراقت مطالب المحتجّين، على التدريج، من المطالبة بعدم ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية جديدة، فالتمكّن من تنحيته من سدّة الحكم، ثمّ تجاوز ذلك إلى المطالبة بإصلاح النظام السياسي، والدعوة إلى دمقرطة البلاد، ومقاومة الفساد، وإرساء معالم دولة مواطنية، مدنيّة. وبدا واضحا، بعد أشهر من الاحتجاج، أنّ الحراك الجزائري يسير بخطى جَمعيّة ثابتة نحو تحقيق أهدافه، وأنّ منظومة الحكم تبذل جهدها للتخلّص من تركتها البيروقراطية، الشمولية، القديمة، وتُبدي، ولو إلى حدّ ما، تفهّما لمطالب المحتجّين المشروعة، وتحاول إصلاح ذاتها، وتغيير خطابها ليستجيب لمستجدّات الشارع وتطلّعاته. ويكشف المشهد الاحتجاجي في الجزائر عن تجلّياتٍ فارقةٍ، يمتاز بها عن غيره من حركات الاحتجاج في السياق العربي. أهمّ تلك التجلّيات سلمية الاحتجاج وامتداده، وحرفية الجيش وانضباطه، وعدم الارتهان لإكراهات العامل الخارجي.

بعد سنوات من الصّمت المطبق، بتعلّة التخويف من العشرية السوداء، ومن مآلات الربيع العربي الدّامية في سورية ومصر، وليبيا واليمن، خرج الجزائريون إلى الشوارع، بطريقة
“أهمّ تلك تجلّيات الحراك في الجزائر سلمية الاحتجاج وامتداده، وحرفية الجيش وانضباطه”

 حضاريّة، شدّت انتباه العالم. طوال خمسة أشهر، تراصّ النّاس في السّاحات العامّة، وامتدّ الاحتجاج في الزمان والمكان، والتحق بالحراك شيبٌ وشباب، ونساء ورجال، ومتأدلجون وغير متأدلجين. وتنوّعت شعارات المتظاهرين، وتطوّرت مطالبهم من رفض التمديد لبوتفليقة إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية، فالدعوة إلى إقالة وجوه بارزة في النظام القديم، ومحاكمة المفسدين وناهبي المال العام، وصولا إلى المطالبة ببناء دولة مدنية تعدّدية. ولم ينخرط الفاعلون في المشهد الاحتجاجي في دوّامة التعصّب الحزبي أو الجهوي أو الطائفي أو النقابي أو الطبقي، بل اجتمعوا تحت راية الجزائر البيضاء/ الخضراء، وتوحّدوا خلف مطلب أساسي جامع، عنوانه ضرورة القطع مع حقبة الدولة الشمولية، وتأسيس دولة ديمقراطية تقدّمية. وبدا لافتا أنّ المتظاهرين على درجةٍ معتبرةٍ من التنظّم، فهم يجتمعون ويفترقون في أماكن محدّدة، وفي أوقات معلومة، يتمّ الإعلان عنها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وداوموا على الاحتجاج بطريقةٍ سلميةٍ طوال عشرين أسبوعا، ولم يقعوا في فخّ استخدام العنف أو التخريب، تعبيرا عن غضبهم من سياسات المنظومة الحاكمة. بل كانوا حريصين على حماية الممتلكات العامّة والخاصّة، وعلى تنظيف الشوارع بعد التظاهر، وتفادي التصادم مع القوّات المسلّحة. ويحمل ذلك السلوك الاحتجاجي الجمعي عدّة دلالات، أهمّها أنّ الاحتجاج أصبح مشروع شعبٍ يروم الإصلاح والتغيير، وهو فعلٌ تعبيريٌ سلمي، رفع الخوف من القلوب، وحرّر القوى المدنية، ووضع حدّا لهيمنة المنظومة الحاكمة على الشأن العام. فتعدّدت منابر التفكير والنقد والإعلام، ومبادرات المساءلة والمحاسبة، ومشاريع الحوار والتفاوض، وبدا المواطنون عنصرا وازنا في العملية السياسية، وقوّة ضاغطة على أصحاب القرار، تدفعهم إلى التجديد والتطوير والمضي في مشروع النقد الذاتي، وتلبية تطلّعات الجماهير إلى مزيد من العدالة والحرّية،

“تنوّعت شعارات المتظاهرين، وتطوّرت مطالبهم من رفض التمديد لبوتفليقة إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية”

والكرامة، والشفافية.
وأخبر ذلك كلّه بحيوية المجتمع المدني الجزائري، وكشف عن طاقاتٍ شابّةٍ صاعدة، تتوفّر على درجة معتبرة من الوعي السياسي والحقوقي. ودلّت الهبّة الاحتجاجية الجزائرية المسالمة، الرصينة والمستدامة، على أنّ المواطن، الجزائري خصوصا والعربي عموما، قادر على استيعاب الاختلاف، وعلى إدارة الاحتجاج الديمقراطي ضدّ السلطة، وذلك على خلاف ما تدّعيه أنظمة شمولية عربية أنّ المواطن العربي فوضوي، وغير مؤهّل للديمقراطية حتّى أنّها تُجرّم حقّه في التظاهر، وتلاحق المتظاهرين بالسجون والعِصيّ والبنادق.
وعلى خلاف الجيوش العربية في سورية ومصر وليبيا والسودان، والتي قمعت ثوّارا، وواجهت محتجّين مسالمين بقوّة السلاح، وأزيز الرّصاص، وعطّلت موجة التغيير الديمقراطي، لم يُطلق الجيش الجزائري رصاصة واحدة ضدّ المتظاهرين، على الرغم من استمرارية الفعل الاحتجاجي وكثافته. ولم ينخرط في دوّامة استخدام القوّة المفرطة المستدامة، ولم يستجب لضغوط داخليةٍ وخارجيةٍ تدعوه إلى اعتلاء كرسيّ السلطة وغلق المجال العام. بدلا من ذلك، لزمت المؤسّسة العسكرية سياسة ضبط النفس، وحرصت على تأمين المظاهرات وحماية المحتجين، وبذلت جهدها في المحافظة على السلم الاجتماعي، وبدت متفهّمةً مطالب الشارع الاحتجاجي. واضطلع الجيش بأدوار جديدة، في مقدّمتها مرافقة الحراك ورفد الانتقال السياسي، والدفع نحو الإصلاح والتغيير، والضغط على المنظومة الحاكمة من أجل إحداث تغييرات معتبرة في بُناها وهياكلها وسياساتها.
وفي هذا السياق، كان للكتلة العسكرية دور مهمّ في إزاحة وجوه متنفّذة قديمة، تحوم حولها شبهات فساد وتزوير، وقدّمت للقضاء ملفّات تتعلّق بمحاسبة أمنيين، ووزراء، وآخرين من ناهبي المال العام. والواقع أنّ هذه الأدوار الجديدة للجيش جعلته يُفارق الصورة النمطيّة الردعية للمؤسّسة العسكرية الجزائرية، وجعلته ينأى عن الصورة القمعية، الملابسة معظم الجيوش العربية. وأرسل الجيش، من خلال نهجه التفهّمي/ الذّكي في التعامل مع الحراك الاحتجاجي، ومن خلال مساندته مطلب التغيير الديمقراطي، رسائل طمأنة إلى عموم المواطنين، على نحوٍ ساهم في حقن الدماء، وزاد من التفاف معظم الناس حول مؤسسة عسكرية مسؤولة، اختارت، هذه المرّة، أن تكون تفاعليّة، لا قهرية، وعزّز ذلك من شعبية الجيش في الداخل الجزائري لا محالة.
وبمراجعة مسارات الثورات العربية الرّاهنة، يتبيّن الدّارس أنّ العامل الخارجي كان حاسما في الإجهاز على الثورتين السورية واليمنية، وكان حاضرا بامتياز في إيقاف التجربة الديمقراطية في مصر، وإرباك مسار الانتقال إلى الدولة المدنية في ليبيا. وذلك راجع أساسا إلى انفراط عِقْد الجبهة الداخلية، ووجود رغبة لدى بعض النخب في الاستقواء بالأجنبي على بني بلدهم، لتحقيق مآرب شخصية وفئوية ضيّقة. أمّا في الحالة الجزائرية، فبدا الفاعلون في المشهد السياسي، سواء في دوائر الحكم أو المعارضة، ميّالين إلى التمسّك بعُرى الوحدة الوطنية، والبحث عن حلول لأزمات البلاد من الداخل الجزائري، لا من الارتهان إلى الخارج، وساهم ذلك في تجنيب البلاد ويلات الاستقواء بالأجنبي، ومخاطر الاستقطاب والتطاحن لخدمة أجنداتٍ أجنبية .
ولكن، من المفيد الإشارة إلى أنّ تجلّيات النجاح تلك لا تمنع من الإشارة إلى أنّ الحراك 

“بعد خمسة أشهر من التظاهر، من المهمّ بمكان حَلْحلَة المسائل الخلافية وتحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي توافقي جامع”

الجزائري تعتريه نواقص، منها عدم وجود قيادة تمثيلية جامعة تحاور السلطة، ووجود أزمة ثقة عميقة بين الحاكم والمحكوم، وكذا عدم اتفاق الفرقاء السياسيين (مكوّنات المنتدى الوطني للحوار/ أحزاب البديل الديمقراطي/ قوى المجتمع المدني) على برنامج موحّد لإدارة مرحلة ما بعد الاحتجاج. ومعلومٌ أن ذلك الافتراق يؤثر على مخرجات الحراك ونتائجه على المديين القريب والبعيد.
يمكن القول، ختاما، إنّ انتفاضة الجزائر راكمت على منجزات الثوار العرب السابقين، وأفادت منهم، وتفادت مزالقهم وإخفاقاتهم. امتلكت الشارع، ولزمت السلمية والاستمرارية، وتشبّثت بمطالب الثائرين في التغيير، والحرّية، والكرامة، والعدالة. لكنّها استقربت الجيش، ونبذت العنف، وحافظت على كيان الدولة، وحرصت على تماسك الجبهة الدّاخلية، وعدم الارتهان للخارج. فبلغت شأوا معتبرا في مسار تحرير العقول والأقلام والحناجر من سطوة الخوف، وأخرجت البلاد من حيّز الأحادية إلى رحاب التعدّدية، ومدّت جسور التواصل بين المدنيين والعسكريين، وغيّرت إيجابيّا من أدوار الجيش، ورفدت استقلال الوطن باستقلال المواطن، فجرى الانتقال من حقبة فخامة الرئيس إلى عصر فخامة الشعب. وبعد خمسة أشهر من التظاهر، من المهمّ بمكان حَلْحلَة المسائل الخلافية وتحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي توافقي جامع، يتجه صوب بناء جمهورية مدنية، ديمقراطية حقيقية، وما ذلك عن الشعب والقوى الوطنية الجزائرية الحيّة ببعيد.

إعجاب تحميل...