مقالات

عماد عفانة (فلسطين)

كيف يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، في الوقت الذي سلمت فيه بالواقع الذي خلق نكبة اللجوء سنة 1948، وصبت جل اهتمامها على تبعات نكسة 1967؟

برزت معالم الثورة الفلسطينية المعاصرة على أنقاض عملية التشريد واللجوء التي تعرض لها الشعب الفلسطيني داخل أرضه وخارجها سنة 1948، وهو ما يعرف بالنكبة الفلسطينية. وعلى الرغم من ذلك، فإن منظمة التحرير الفلسطينية أُنشئت بعد 16 عاماً من النكبة، أي عام 1964 بقرار من النظام العربي الرسمي، ممثلاً بمؤتمر القمة العربي. والغريب أن المجلس الوطني الفلسطيني لم يتم اختيار أعضائه بالانتخاب، بل عينتهم الأنظمة العربية، حيث أعلن عن قيام منظمة التحرير في 28/8/1964، وصادق هذا المجلس المعين فعلياً، والمنتخب شكلياً، على الميثاق القومي للمنظمة، وعلى نظامها الأساسي. 

الأكثر غرابة أن منظمة التحرير التي أقيمت للتعامل مع تبعات نكبة 1948، تنكرت لمهمتها، وحولت اهتمامها للتعامل مع تبعات النكبة الثانية، أو ما يعرف بالنكسة 67، التي احتل العدو الصهيوني في أعقابها أراض من ثلاث دول، هي الأردن ومصر وسورية، فضلاً عن الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، فكيف يمكن لمنظمة التحرير أن تصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، في الوقت الذي سلمت فيه بالواقع الذي خلق نكبة اللجوء سنة 1948، وصبت جل اهتمامها على تبعات نكسة 1967؟
الأمر الذي أوصل إلى الشرخ وللانقسام الفلسطيني الفلسطيني بين فصائل منظمة التحرير، وفي مقدمتها حركة فتح، التي سلمت بالحلول والمبادرات التي تتبنى الحل على نتائج نكسة 1967، وبين فصائل أخرى كخركتي الجهاد الإسلامي وحماس التي لا ترى فلسطين إلا بحدود 1948.
قبل العام 1948 لم يكن لفلسطين دولة ولا حكومة، لكنها كانت وطناً لشعب تولد لديه الشعور الوطني كرد فعل على محاولات الشطب والإلغاء التي تعرّض لها في نكبة 1948، فالنكبة هي من صنعت الهوية الوطنية الفلسطينية التي ساهم اللاجئون الفلسطينيون في بنائها، على الرغم من سنوات اللجوء الطويلة على امتداد رقعة العالم.
ومع انعدام وجود بقعة أرض ينطلق منها كفاحهم ضد المحتل، اعتبر الفلسطينيون منظمة التحرير وطنهم المعنوي الذي أخذ على عاتقه قيادة هذا الكفاح الذي انخرط فيه اللاجئون من دون الالتفات الى الألوان الحزبية والفصائلية. ولكن ما هو المشروع الوطني الذي يسعى الفلسطينيون إلى تحقيقه، هل هو إزالة آثار نكبة 1948 كما تريد “حماس” والجهاد الإسلامي، أم هو إقامة دولة على حدود 1967، كما تريد فتح التي تقود منظمة التحرير؟
يعبر الخيار الأول عن قيم الوفاء للاجئين ونكبتهم التي رسمت حدود الوطن، والتي عرّفت معنى الهوية والانتماء للأرض، بينما الخيار الثاني، على الرغم من أنه لم يعد خياراً واقعياً، بعد التهام العدو الإسرائيلي معظم أراضي هذه الدولة الوهمية، يعبر عن التنكر للملايين من ضحايا النكبة 1948، ولكفاحهم الممتد، ويعتبر نقضاً للأساسات التي بنيت عليها منظمة التحرير.
ومع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية على أجزاء من الضفة وغزة في أعقاب اتفاق أوسلو الذي أبرمته منظمة التحرير بمعزل عن رأي الشعب الفلسطيني، مستخدمة شرعيتها الثورية، جرت عملية نقل للوطن المعنوي للفلسطينيين من منظمة التحرير إلى السلطة الفلسطينية بوصفها كيانا سياسيا على جزء من الأرض الفلسطينية. وعليه، فقد تم استبعاد اللاجئين واحدا من أهم الأسس المكونة للقضية الفلسطينية، التزاماً بالشروط المجحفة لهذه المفاوضات التي تجاهلتهم، كونهم التجسيد الحي للنكبة المستمرة، فالمفاوض الفلسطيني الذي يمثل منظمة التحرير نسف الأساس الذي يستند إليه في عملية التفاوض، بموافقته على تأجيل البحث في قضية اللاجئين إلى مفاوضات الوضع النهائي التي لن تنتهي أبداً.
وعليه، دخل المشروع الوطني والهوية الفلسطينية في حالة تفكك مستمرة، وصولاً إلى حالة التردّي المعاش حالياً، والذي يعتبر أحد بذور الانقسام الذي وضع الجزء من الوطن الفلسطيني الذي تحكمه السلطة في الضفة في حالة اصطفافٍ مع العدو الصهيوني، حصاراً وتحريضاً، في مواجهة الجزء الآخر من الوطن الذي تحكمه حماس في غزة.
قد تكون النكبة 1948 اقتلعت الفلسطيني من أرضه، لكنها لم تقتلعه من هويته وانتمائه. وقد تكون النكبة أحدثت حالة من اللجوء والشتات في شتى البقاع والأصقاع، لكنها ثبتته بقوة على خارطة الوطن، بل والعالم. وإذا كانت منظمة التحرير بتجاهلها المخيمات الفلسطينية في الخارج، منذ مؤتمر مدريد 1991، والتي أنجبت مأسي الفلسطينيين المستمرة في سورية ولبنان والعراق، وغيرهما، فإن المقاومة التي يتعاظم معسكرها باتت أمام فرصة للتقدم نحو خطوة تاريخية فارقة ومقدسة لالتقاط قيادة المشروع الوطني عبر إعادة الاعتبار لقضية اللاجئين، سواء في مخيمات اللجوء، أو في شتى أصقاع العالم، تنظيماً وتمثيلاً، على طريق تجميع عناصر القوة الاستراتيجية اللازمة للتحرير، والكامنة في شعبنا وعلى رأسها القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والتقنية والعسكرية.

إعجاب تحميل...