4a69312e-8ab4-4e85-a3dc-e67b46421ec5.jpg

مقالات

نجوى بركات

من يقرأ مذكرات ابنة ستالين، وبالتحديد ما يتعلّق منها بلحظات والدها الأخيرة، لا بدّ من أن يشعر ببعض عدالةٍ إلهيّة ما، في طريقة نهاية هذا الرجل المسؤول عن مقتل الملايين وتعذيبهم ونفيهم، والمعتبر الأكثر إجراما بين الطغاة في القرن العشرين.

في مذكّراتها التي تحمل عنوان “عشرون رسالة إلى صديق”، تروي سْفِتلانا ألليلوييفا، ابنه جوزف ستالين، اللحظات الأخيرة من احتضار أبيها، مباشرة قبل أن يُسلم الروح في 5 مارس/ آذار 1953: “النزيف انتشر في الدماغ. في الساعات الاثنتي عشرة الأخيرة، بات نقصُ الأكسيجين بيّناً، إذ أصبح وجهه داكنا أكثر فأكثر، كان نزاعُه فظيعا، فكان يختنق تحت أعيننا. في اللحظات الأخيرة، فتح فجأة عينيه، ناظرا إلى كل من اجتمعوا من حوله، وكانت نظراتُه مخيفة، بين الجنون والغضب، ملأى بالهلع في مواجهة الموت ووجوه الأطباء المجهولين المنحنين فوقه.. وفجأة – وهذا أمر غامض ومخيف، لم أفهمه حتى اليوم ولا أتمكن من نسيانه – رفع يده اليسرى، كأنما كان يشير إلى شيءٍ ما في العلا، ويصبّ لعنته علينا”. 

وبحسب شهادتها أيضا، فإن أكثر من عشر ساعاتٍ كانت قد مضت بين سقوط ستالين مغمىً عليه، وفي ضيق شديد بفعل نزيف الدماغ، ووصول الأطباء لمعاينته، ما فتح المجال أمام أكثر من صيغةٍ تروي كيفية وفاته، واحتمال أن يكون قد حصل تلكّؤ في إسعافه من المقرّبين منه، أولا بسبب حذر ستالين الكبير من الأطباء، بعد اتهامهم بمحاولة اغتياله، وثانيا لتسهيل رحيله ربما إلى دنيا الآخرة، والتخلّص أخيرا منه.
والحال أن من يقرأ مذكرات الابنة، وبالتحديد ما يتعلّق منها بلحظات والدها الأخيرة، لا بدّ من أن يشعر ببعض عدالةٍ إلهيّة ما، في طريقة نهاية هذا الرجل المسؤول عن مقتل الملايين وتعذيبهم ونفيهم، والمعتبر بهذا المعنى الأكثر إجراما على الإطلاق من بين الطغاة الشموليين الذين عرفهم القرن العشرون. ومع هذا، ولأن “من يجهل التاريخ يكون محكوما بعيشه من جديد”، كما كتب ماركس، يظهر أن الشخصية الأكثر شعبية في روسيا اليوم هو جوزف ستالين، “والد الشعوب الصغير” الذي وقف في وجه المدّ النازي، وتمكّن من دحره وقهره “في عصر روسيا الكبرى” في نظر الرئيس بوتين، وليس مصدر عذاب الملايين، وسبب المجاعات والمحاكمات الملفّقة الجائرة، وتصفية آلاف المعارضين، إلخ.
في روايته الصادرة أخيرا “كوبا” (دار بايكر ستريت)، يجعل الصحافي الأسبق والكاتب الأميركي، روبرت ليتل، المعروف برواياته (20 رواية) عن التجسّس، وأشهرها “الشركة”، حيث يروي تاريخ الحرب الباردة عبر قصة المخابرات المركزية الأميركية (سي أي إيه)، من ستالين أحد أبطال روايته، ربما ليحثّ الناس، والجيل الشاب تحديدا، على عدم نسيان ما جرى، مخافة إعادة تكراره. وقد اختار ليتل لروايته هذه عنوان “كوبا”، وهو الاسم الحربي الذي اتخذه ستالين لنفسه، قبل أن يصبح ستالين (الفولاذ بالروسية)، حين كان خارجا عن القانون، وقاطع طريق في بلده جورجيا، ما قبل الثورة. هذا ويتساءل ليتل كيف تمكّن رجل العصابات هذا، الفلاح الجورجي الذي لم يكن مثقفا مهمّا، أن يلج دائرة العلاقات المقرّبة من لينين، بل كيف تمكّن من أن يحكم البلاد بعد وفاة الأخير عام 1924؟
“تحكي “كوبا” قصة الطفل ليون (10 سنوات ونصف السنة ويومان)، وهو الراوي والبطل معا الذي توفّي والده العالم الفيزيائي، وأحد مخترعي القنبلة الذرّية السوفييتية، في حادثة انفجار المختبر حيث يعمل، في حين اختفت والدته الطبيبة اليهودية، بعد أن قبضت عليها المخابرات. وهكذا، تحدث المصادفة التي تجمع بين ليون، المتروك لمصيره والمطلّ من نافذة غرفته على جدران الكرملين، وستالين العجوز الذي يجهل الطفل عنه كل شيء، عبر نفق خفي تحت الأرض. يقترح العجوز كوبا على الطفل أن يطرح عليه ما شاء من الأسئلة، وهو سيجيب، ما لم تكن الأسئلة متعلّقةً بأسرار الدولة، بهدف بناء “سيرة مرخّصة ورسمية” عن الطاغية العجوز الذي سيفتح أمامه كل أدراج ذاكرته…
أخيرا، يقول روبرت ليتل إن هذه العلاقة الملتبسة بين الطفل والطاغية هي استعارة رمزية للعلاقة الحالية القائمة بين الرأي العام الروسي وصورة “والد الشعوب”.

إعجاب تحميل...