بين يدي طلبه من اللجنة العليا للانتخابات إعادة انتخابات بلدية إسطنبول الكبرى، كان حزب العدالة والتنمية يعتمد قانونياً على حقه الدستوري وفق الخطوات ومراحل الطعون التي يجيزها القانون، لكنه كان كذلك يتكئ على حسابات سياسية وانتخابية قد تؤمن له رئاسة البلدية الأهم في البلاد (إسطنبول التي توصف دائماً بأنها "تركيا المصغرة") من حيث عدد السكان والرمزية.

في مغامرته تلك، كان العدالة والتنمية يرغب في ويعمل على تكرار سيناريو 2015، حين فقد الأغلبية في انتخابات حزيران/ يونيو البرلمانية لأول مرة منذ تأسيسه واستلامه الحكم، محققاً نسبة 49 في من أصوات الناخبين في انتخابات الإعادة بعد أقل من ستة أشهر. راهن الحزب على تكرار ذلك واستعادة الكثير من الأصوات التي فقدها في الجولة الأولى، لكن النتيجة أثبتت أن رهانه لم ينجح.

 

كان العدالة والتنمية يرغب في ويعمل على تكرار سيناريو 2015، حين فقد الأغلبية في انتخابات حزيران/ يونيو البرلمانية لأول مرة منذ تأسيسه واستلامه الحكم


في حملته لانتخابات الإعادة تلك، عمل الحزب الحاكم على رؤية مزجت بين خطين متلازمين: الاستجابة لرسائل الانتخابات، والتي اعتبرت نتيجتها تحذيراً أو عتباً من الناخبين جنباً إلى جنب مع التحذير من البدائل، بما في ذلك الفراغ الدستوري والحكومات الائتلافية وعودة الشعب الجمهوري للحكم وغيرها. وهي نفس الاستراتيجية التي حاول الحزب تنفيذها في انتخابات الإعادة لبلدية إسطنبول، فلماذا لم تنجح؟

في المقام الأول، كانت انتخابات 2015 برلمانية وفق نظام برلماني تنعكس فيه توازنات البرلمان على تشكيل الحكومة واستقرارها ونجاحها، ولذلك فالمخاطرة فيها كبيرة ومحفوفة بالمخاطر، ما دفع الكثير من أنصار العدالة والتنمية لمراجعة آرائهم في الإعادة. أما في إسطنبول فالانتخابات بلدية لا تأثيرات كبيرة لها على الوضع السياسي والنظام في البلاد، ولا عمل الحكومة والبرلمان مثلاً، فضلاً عن أن أغلبية المجلس البلدي في إسطنبول في يد العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية، ما يجعل خسارة رئاسة البلدية ذات وطأة بسيطة على البلاد، وأخف على العدالة والتنمية.

ثانياً، تجاوَبَ العدالة والتنمية مع رسائل انتخابات 2015 في حملته الانتخابية على مستوى البرنامج الذي تراجع فيه عن طرح فكرة النظام الرئاسي، كما على مستوى المرشحين الذين بدل نسبة كبيرة منهم، فضلاً عن الخطاب والممارسة. أما في الانتخابات البلدية، فلم يكن في وسع الحزب تغيير مرشحه قانوناً، فضلاً عن إجراء تعديلات واسعة في البرنامج الانتخابي.

 

مرت سنوات أربع بعد انتخابات البرلمان المعادة، وهي سنوات مرت فيها البلاد ومعها حزب العدالة والتنمية بعدة محطات مهمة؛ في مقدمتها إقرار النظام الرئاسي والمحاولة الانقلابية الفاشلة والأزمة الاقتصادية وغيرها


ثالثاً، تميزت التغييرات التي قام بها الحزب في 2015 بالمصداقية ولاقت صدى طيباً لدى الناخب باعتبارها استجابة حقيقية مع مطالب الشارع وعتب أنصار الحزب. أما التغيرات التي أقدم عليها العدالة والتنمية في انتخابات إسطنبول المعادة، مثل موقفه من حزب السعادة ورسالة أوجلان المسربة والتحول عن خطاب "الخطر الوجودي" وغيرها، فقد كانت سريعة جداً، حيث أتت في فترة زمنية أقصر وجذرية جداً، بحيث تلقتها شرائح عديدة كتكتيكات انتخابية مؤقتة وليست تغييرات حقيقية راسخة.

رابعاً، مرت سنوات أربع بعد انتخابات البرلمان المعادة، وهي سنوات مرت فيها البلاد ومعها حزب العدالة والتنمية بعدة محطات مهمة؛ في مقدمتها إقرار النظام الرئاسي والمحاولة الانقلابية الفاشلة والأزمة الاقتصادية وغيرها، وهي محطات كان لها ولتعامل الحزب والحكومة والرئاسة معها تأثير كبير على انطباعات الناخبين وأنصار الحزب بلا شك.

ولعل ذلك يصب، سادساً، في معنى أن انتخابات الإعادة في 2015 كانت التجربة الأولى التي وجه فيها الناخب رسالة احتجاج قوية وواضحة للعدالة والتنمية، وبالتالي كان أكثر قدرة ورغبة في طي الصفحة حال تجاوب الأخير، بينما يصعب قول الشيء نفسه عن الانتخابات البلدية، لا سيما وأن السبب الرئيس في تراجع الحزب عام 2015 (وفق معظم التقييمات ومنها حديث رئيس الحزب والحكومة آنذاك داود أوغلو) كان النظام الرئاسي الذي تراجع الحزب عنه في انتخابات الإعادة، لكنه عاد لطرحه سريعاً بعد الانقلاب الفاشل دون أن يأخذ حظه في النقاش والقبول المجتمعي.

وأخيراً، كانت إعادة الانتخابات البرلمانية 2015 نتيجة طبيعية لانسداد الأفق السياسي، وعدم قدرة الأحزاب المختلفة على تشكيل الحكومة، بما يعني توزيع المسؤولية السياسية على الجميع، بينما أتت إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول بناء على طلب من العدالة والتنمية ووافقت عليه اللجنة العليا للانتخابات، في سياق لم يكن للناخب فيه ذنب كبير.

 

 

كانت ردة فعل الناخبين كبيرة وصعبة ومفاجئة، ويبدو أن العامل الأهم فيها لم يكن حزبياً ولا شخصياً، أي متعلقاً بأسماء المرشحين المتنافسين، وإنما بالدرجة الأولى بقرار إلغاء الانتخابات وإعادتها، والذي لم يكن مقنعاً لشرائح واسعة


لهذه الأسباب وغيرها ربما، كانت ردة فعل الناخبين كبيرة وصعبة ومفاجئة، ويبدو أن العامل الأهم فيها لم يكن حزبياً ولا شخصياً، أي متعلقاً بأسماء المرشحين المتنافسين، وإنما بالدرجة الأولى بقرار إلغاء الانتخابات وإعادتها، والذي لم يكن مقنعاً لشرائح واسعة إضافة لتعامل العدالة والتنمية تحديداً، وباقي الأحزاب عموماً مع النتيجة وخطابات الحملات الانتخابية. ولذلك فقد كانت الرسالة واضحة بقدر قسوتها وصعبة بقدر مفاجأتها، حيث وسّع إمام أوغلو الفارق بينه وبين يلدرم من حدود 13 ألف صوت إلى أكثر من 777 ألفاً، ومن نسبة 0.15 في المئة إلى حوالي 9 في المئة.

كل ذلك يقول بما لا يدع مجالاً للشك إن حزب العدالة والتنمية أمام محطة فارقة اليوم، ولعل البعض ينظر لها على أنها الفرصة الأخيرة. صحيح أنها كانت انتخابات بلدية في مدينة واحدة، وأن البلاد يفترض ألا تشهد محطات انتخابية، بل ستتمتع بالاستقرار حتى 2023، إلا أن الحزب بات مطالباً اليوم أكثر من أي وقت مضى بمراجعات حقيقية وتغييرات جذرية وصادقة؛ يمكن أن تقنع كوادره وأنصاره ومنتخبيه، بعيداً عن الاستجابات اللفظية او التقييمات العمومية أو البحث عن أكباش فداء.

 

وحدة الحزب وشعبيته ومستقبله قد يكونون على المحك على المدى البعيد (وليس اليوم بالضرورة) بقدر وحسب طريقة تعامله مع النتائج الأخيرة


ولعل في خروج الكثير من مطالبات المراجعات، بل والحساب والعقاب، من شخصيات محسوبة على الحزب سابقاًوحالياً، في مقدمتها أعضاء برلمان، للعلن وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، رسالة واضحة تضاف لرسائل الناخبين بضرورة المراجعة السريعة والصادقة والمقنعة؛ لحزب ما زال يحظى بشعبية غير مسبوقة في تاريخ تركيا الحديث.

بهذا المعنى، فإن وحدة الحزب وشعبيته ومستقبله قد يكونون على المحك على المدى البعيد (وليس اليوم بالضرورة) بقدر وحسب طريقة تعامله مع النتائج الأخيرة، وخصوصاً على صعيد الانتقادات الموجهة له مؤخراً، والتي هي أبعد وأعقد من انتخابات إسطنبول المعادة، بل تشمل الكثير على صعيد القيم والأفكار والسياسات والأشخاص والبنى القيادية وآليات اتخاذ القرار، وغيرها.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"