بين قتلى دراما الفن وضحايا دراما السياسة، يعيش السوريون مأساتهم الرمضانية في إدلب وحماة وحلب. لا تختلف المعطيات بين الواقعين إلا في زمن الحدث، فحيث تستحضر الدراما أحداث موتنا المصوّر في مشاهد وصور من الواقع المعاش، تستحضر السياسة أحداث موتنا من بداية الثورة وحتى الزمن المقبل، وبين دراما المشهد الفني ودراما القرار السياسي حكاية اسمها “سورية الذبيحة”.

يطلّ السوريون من شاشات العرض التلفزيوني، ليجلسوا على موائد رمضان العالم العربي، كأبطال لحكايات تسلياتهم الدرامية، لتمرير أوقاتهم، وتضييع الفرص على العطش والجوع أن ينالا منهم. وتزيد واقعية الحكايات واستغراقها في العذابات الحقيقية من شغف المتفرّجين بالمتابعة، ويشغلهم السؤال عن أحداث الحلقات المقبلة، من دون أن يعرفوا أن كل ما ينتظرونه من إجاباتٍ تنقله نشرات الأخبار اليومية، وتقارير الصحافيين الذين يتحولون، بدورهم، مجرّد ضحايا يتحدثون عن ضحايا سابقين.
وإذ تغيب حتى اليوم عن الحلقات الدرامية في المسلسلات ملامح النهايات السعيدة للدراما العربية، كما تعوّدنا عليها بسقوط الظالم وانتصار المظلومين، فإنه في الآن ذاته يمكن القول إن هذا ما حدث في السنوات الثماني في سورية، حيث غابت النهايات العادلة، وحلّ الخراب مساوماً ومؤسساً للمرحلة المقبلة.
وهذا فسح المجال للمجتمع الدولي، وعبر قواه العظمى التي تتنافس على أجنداتها في سورية، أن يقدّم مسلسله الدامي أيضاً، بأحداث “أكشن” من العنف والدم والتهجير والموت، في منافسةٍ لانتزاع المشاهدين من أقنية الدراما إلى أقنية الأخبار، فلا نعرف أياً منها يمثل أخبارنا، وأيها 
“في السنوات الثماني في سورية، غابت النهايات العادلة، وحلّ الخراب مساوماً ومؤسساً للمرحلة المقبلة”

يمثل علينا، وتسقط ضمن وقائعه التشويقية كل الاتفاقات البينية سواء الثنائية (روسيا – تركيا) أو المحورية (محور روسيا إيران تركيا)، لتحلّ الاصطفافات الجديدة مكانها (التركية – الأميركية) و(الروسية – الأميركية)، وتدفع إدلب وحماة وحلب فاتورة العرض المأسوية.
وفي متابعةٍ لأحداثٍ متتالية، ومنذ عام 2011، التي يشخّصها الممثل الأميركي الخاص في سورية جيمس جيفري، في شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، حيث يصف النظام السوري “بالقاتل”، ويرى أن النزاع يجب أن ينتهي بتحقيق العدالة والمساءلة، وخروج كامل القوات الأجنبية (المقصود الإيرانية دون غيرها)، وحل سياسي يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي 2254، فإن حلقات النهاية التي يوحي خطاب المبعوث الأميركي بأنه يكتب تفاصيلها، كما كتبت دولته تفاصيل قرار مجلس الأمن 2254 لحل الصراع في سورية، تحتاج فقط إلى إرادة تنفيذ القرار الأممي الذي لا يزال مغيباً عن واقع مأساتنا بكل تفاصيله، وحتى تلك القشور التي سعى إلى تنفيذها المبعوث الأممي السابق إلى سورية، ستيفان ديميستورا، بضم منصات المعارضة إلى وفد التفاوض، من دون النظر إلى حقيقة التسميات والدوافع، لا تزال غير قادرة على استيعاب كل السوريين لإنتاج حلٍّ يبدأ من إجراءات بناء الثقة، وصولاً إلى تشكيل هيئة حكم ذات مصداقية، وتشمل “الجميع” وغير طائفية.
وبينما لم تخرج الدراما عن توصيف الواقع السوري، كما حدد ملامحه جيفري: “أننا نعيش في ظل واقع حكم استبدادي وهمجي، قدّمت له روسيا وإيران الغطاء اللازم لحربه على الشعب السوري”، فإن الدراما أيضاً بشقها الموالي حاولت أن تفرز بين قتلةٍ برخصة سلطوية وآخرين مشابهين تحت اسم الإرهابيين، وهو ما يمكن تشبيهه بما تفعله الولايات المتحدة، التي تغضّ الطرف عن جرائم روسيا ضد المدنيين السوريين، بينما تركّز جهودها على التعاون مع موسكو لطرد القاتل الآخر، وإنجاز حلّ أعرج، مرهونة قدرته على المشي، بمدى انصياع إيران للمطالب الأميركية في التفاهمات حول الأسلحة النووية.
نعم، تنتصر الدراما السورية لدموع السوريين، حتى حين يحاول مال الإنتاج أن يأخذها إلى ضفة ترويج قاتلهم، بغرض التزوير وإعادة تشكيل الحكاية حسب الرغبة السلطوية، القاصرة والمبتورة برؤيةٍ هزيلةٍ وسطحية، وحتى خارج معايير الفن، فتخرج حتى الأعمال الموسومة “بالموالية” أو “السلطوية”، لتفضح من بين السطور حجم الأكاذيب وضعف الرواية، وقلة الحيلة في إخفاء جرائم سياق واقع الفساد ونتائجه. فكيف إذا كان القلم بيد كاتبٍ قرّر الهرب من أقبيتهم المظلمة، وكشف الحقيقة بعيداً عن محاولات ترويج جرائم السلطة باسم مكافحة الإرهاب، أو تحميل أشخاصٍ ما ترتكبه “منظومة” الحكم، ليوقّع في عمله على شهادةٍ لا يمكن

الحصار، سواء لدراما الفن أو السياسة، لم يمنع من وجود نصّ هاربٍ من الرقابة، كحال مسلسل “دقيقة صمت”

 للنظام مجابهتها، إلا ببيانٍ لوزارة الإعلام السورية، جمعت كلماته، لتكون دليل انتصار لكلمة الكاتب المصوّرة على رواية البيان “الغبية” والمنقوصة، والمتهرّبة من واقع مأسوي لمؤسساتٍ حيويةٍ، انقلبت على مهماتها في حماية الوطن والمواطن، لتصبح الورم السرطاني الذي يأكل جسد الوطن والمواطن معاً.
تحاصر القصص المأسوية السوريين من كل فج، وهم يركنون إلى مشاهدة تفاصيل يومياتهم التي يعيشونها واقعاً عملياً تحت القصف. وبين الجبهات المفتوحة على موتهم، وعبر شاشة صغيرة تقتحم ما تبقى من وقتٍ بين فرارهم من واقعهم وبين التقوقع داخله، لتضعهم مسلسلات رمضان تحت عدساتٍ دراميةٍ توثق آلامهم، ومفاعيل سلطة الواقع التي تحكمهم، وتنقل بكاميرا متحرّكة كيف تم تدمير حياتهم ومستقبلهم، وتقسم المجتمع بالمسطرة بين عالمين من ضحايا وجلادين، وما بينهم محاولات مخنوقة لصرخة حريةٍ تعتقلها أيد ملوثة بالدم والمال والسلطة.
إلا أن كل ذلك الحصار، سواء لدراما الفن أو السياسة، لم يمنع من وجود نصّ هاربٍ من الرقابة، وغارق في الحالة السورية، كحال (دقيقة صمت) في الحلقات المعروضة حتى اليوم، كما لم تمنع كل الهيمنات الدولية الحالية، واقتسام سورية بين الدول المتصارعة، من بقاء حلم سورية الواحدة على الطاولة، يتداوله من آمن بالثورة أداةً للتغيير والحياة، لا للانتقام وتقاسم السلطات.