848cf5ac-2c55-4feb-8726-e2b26c98f065.jpg

مقالات

محمد طلبة رضوان

في مصر، حديث ممل ومكرّر أن الوطنية تقتضي المعارضة من الداخل. وكلاء المصالح الغربية يعطون دروساً في الوطنية، ويفهموننا كيف ينبغي لنا أن نعارضهم. والمفارقة: لكي تكون معارضاً للنظام عليك أن تكون مؤيداً له، فهو يريد معارضته في الداخل.

المتابعون للشأن المصري بعقل بارد، ومن دون انحيازاتٍ لأطراف الصراع، دائماً ما يسألوننا عن تصريحات عبد الفتاح السيسي. كيف يتحدّث بهذه البلاهة، وهو سياسي؟ بهذه الأنثوية، وهو عسكري؟ بهذا الاستخفاف، وهو يحكم المصريين؟ كيف يبدو بهذا التذلل في كل صوره، وهو رئيس أكبر دولة عربية؟ كيف يقبل المصريون ما يقوله أو ما يفعله؟ وما معنى كلمة بلحة؟ الاندهاش من هذا الرئيس الذي يحكم بلداً آخر، ويتحدث إلى شعبٍ آخر هو القاسم المشترك بين أسئلة المهتمين بالشأن المصري من العرب غير المصريين. المصريون بدورهم، خصوصاً الذين عاشوا في دول محترمة، ورأوا سياسيين معقولين، يسألون: كيف ولماذا؟ وإذا لم يكن من العسكر بدّ، أليس فيهم من هو أرقى وأرجل؟

الإجراءات التي يتخذها السيسي لا تحيلك إلا على كائنٍ يعيش في كوكبه الخاص، مع رجاله، وجيشه، وشرطته، وإعلامه. ولا علاقة له بما يحدث “جوه”، فهو لا يتعاطى مع الداخل في أي تفصيلةٍ من حياته، حتى المياه التي يشربها وتظهر في صوره، فرنسية. ما يأكل، ما يشرب، ما يلبس، ما يركب، كله “شغل بره”. القرار السياسي من واشنطن، والدعم من جيراننا، شركاء السلام الدافئ، الاقتصاد، اقتصاد القروض، والديون، والتسوّل من دول الخليج، وتحويل الدولة إلى مشروع خيري يتلقى التبرعات “من برّه ومن جوه”، الصحة والتعليم “لا برّه ولا جوّه”. لا يوجد، الصنف غير متوفر، ادفع تلاقي، حتى خطاب الإرهاب يوجهه السيسي إلى “بلاد برّه” التي يقاتل نيابة عنها، ويمنع عنها ملايين المهاجرين، ولذلك هو موجود، هو الأنسب والأقدر والأوْلى من غيره. الإسلاميون سيأتون بالحرب الأهلية، والتيار المدني سيأتي بالديموقراطية، وكلاهما لا يتسقان مع المصالح الغربية.
في مصر، حديث ممل ومكرّر عن أن الوطنية تقتضي المعارضة من الداخل. وكلاء المصالح الغربية يعطون دروساً في الوطنية، ويفهموننا كيف ينبغي لنا أن نعارضهم. المفارقة أنك لكي تكون معارضاً للنظام عليك أن تكون مؤيداً له، فهو يريد معارضته في الداخل، عليك أن تكون في الداخل، يريدها معارضةً مؤدبة لا تتدخل في ما لا يعنيها. تأدَّب. استأذن قبل أن تعارض. تصدّق رواية الدولة، ولا تشكك فيها. انقَد، تؤمن بأن مصر ليست دولة عسكرية ولا دينية ولا علمانية، كما صرّح رئيس مجلس الشعب، المعارض علي عبد العال. حبذا لو كانت معارضة ليست معارضة، ولا مؤيدة، نوعاً ثالثاً، كما صرح رئيس حزب النور. معارضة تحت اليد في المتناول، حلوة لا تثير الشغب، المعادلة “جوه” هي إما أن تشتغل عند الدول معارضاً، وإما تتحول إلى معارض حقيقي فتدخل السجن. عارض من الداخل مثل معصوم مرزوق ابن الدولة المصرية، وبطل من أبطال حرب أكتوبر، وادخل السجن. نافس من الداخل مثل سامي عنان، رئيس أركان الجيش المصري السابق، وادخل السجن. عارض من الداخل مثل عبد الحليم قنديل وجورج إسحاق، ولا تعارض من الخارج مثل مصطفى كامل وسعد زغلول ومحمد فريد، وكل من خانوا سلطة الإنكليز الشرعية، المستعمرين الطيبين، كما كانت تصفهم صحيفة المقطم (المصرية)، في النصف الأول من القرن العشرين، في سياق تبرئة مجرمي واقعة دنشواي (1906) من تهمة حرق أجران القمح وقتل الفلاحين في دنشواي، وهي التهمة التي حصل فيها الجاني على براءة من محكمة مصرية، وعلى يد قضاة مصريين، فيما أدين أهل المجني عليهم، وعوقبوا بالإعدام، واتهم من يدافع عن مصر وقتها في الصحف الفرنسية، بالخائن. والتاريخ يكتبه المستعبطون، وأبناء “المقطم” الذين ثبتوا في الميدان بعد يوليو الأولى ويوليو الثانية، وكانوا دائماً إعلام مصر الوطني الحقيقي، “بتاع جوّه”…
افعلوها مرة واحدة واحكمونا، حكم من يشعر بمشكلات “جوّه”، و”بلاوي جوّه”، وحق أهل “جوّه” في أن يعيشوا مثل غيرهم، “برّه وجوّه”، ثم زايدوا على من حرم بيته وأهله ودفء بلاده وأنس صحبته لينجو بمواقفه من سجونكم، وقولوا عنه ما شئتم.

إعجاب تحميل...