مقالات

لحسن ملواني (المغرب)

الإنتاج السريع والاستهلاك السريع يذكراننا بالوجبات السريعة المنتشرة في الشوارع، بعضها مسكون بعناصر التسمين، وبعضها مسكون بعناصر التسميم، هي وجبات سريعة بسلبيات يظهر مفعولها سريعاً، ما يجعل المستهلكين لها يأخذون العبرة من تناولها، فلا يعودون إليها.

في زمن الإسهال الإعلامي، وفي زمن يُسْرِ النشر وتسويق الكلام، وتسويق الصورة والمشهد بلا قيود، صار الإبداع حائراً بين جانبين متباعدين: استهلاك سريع يحيل على جودة المستهلك وَهْماً وجهلاً، وبين رصانة تتطلّب ثقافة ومهارة.

والمؤسف أن الغث صار له وجود ووزن في أوساط الجماهير العريضة، وصار موشحاً بملايين اللَّايْكات بلا منازع وصار أصحابه على قائمة المشاهير مؤقتاً على الأقل. تجد فيلماً تافهاً أو أغنية بلا كلمات ولا لحن أصيل تستميل نفوس الشباب والأطفال، فيرفعون من قيمتها ويعلقون عليها تعليقات توحي بالإعجاب الكبير بها. وهنا يتداخل الإعجاب ومظاهر التقديم، ولْيَكُنْ شاباً أو شابة جميلة بالملابس العارضة للمفاتن، فتختلط الإعجابات بين ما يتعلق بالإبداع المقدم وبين ما يتعلق بمقدمي هذه الإبداعات، وهنا مأزق النقد والتقييم مما يفضي إلى استفحال الضحالة والإسفاف بالقواعد المتينة والأصيلة للإبداع. فهذا الأخير كان منذ القديم في حرز حريز لا يقتحمه إلا من رخصت له حنكته وتجربته الفنية المبنية على الموهبة والدربة والصبر في دروب التجربة والمحاولات المتكررة. إنه مشوار طويل يقتضي القراءة والمشاهدة والمناقشة والتلقي والتساؤل وقبول الانتقاد واللجوء إلى العارفين في المجال، وذلك من أجل اكتشاف الصياغات الفنية غير المباشرة للعمل الفني، والمباشرة والاستسهال قاتلان للإبداع، والمباشرة والسرعة في الإنجاز هما السائدان في جلّ إنتاجات الكثيرين من أدعياء الفن.
الإنتاج السريع والاستهلاك السريع يذكراننا بالوجبات السريعة المنتشرة في الشوارع، بعضها مسكون بعناصر التسمين، وبعضها مسكون بعناصر التسميم، هي وجبات سريعة بسلبيات يظهر مفعولها سريعاً، مما يجعل المستهلكين لها يأخذون العبرة من تناولها فلا يعودون إليها مرة أخرى. الإبداع بلا سعة تخييل، وبلا فنية الإيماء، وبلا سحر الإيحاء، سينحو بنا إلى المباشرة والابتذال، مما يحيل على مقدار الجهد الضئيل المبذول من أجل إنجازه. حرية الإبداع لا تعني اقتحامه بالعشوائية والمغامرة في بحوره بلا أشرعة ولا ربابنة، فالإبداعية لها علاقة باعتراف المؤسسات الخاصة بالإبداع، وباعتراف المبدعين الذين لهم قدم راسخة في مجاله، ولأن المؤسسات من هذا النوع والمبدعين من هذا الطراز لم يعد لهم الدور البارز، فقد صار الإبداع شارداً مستباحاً، وصارت ساحته كشبكة الصياد التي تحمل أسماكاً وسلاحف وأعشاباً وأفاعي وكائنات أخرى.
رحم الله زمناً صار فيه الإبداع رث الثياب، فلا يجد من يَحميه من قَرِّ الشتاء ولا من حَرِّ الصَّيْفِ.

إعجاب تحميل...