6a5f6a89-176a-4989-b890-05331895ccc2.jpg

مقالات

عيسى الشعيبي

دوّن الدكتور محمد خليل سيرته الذاتية ومسار حياته العامة، في مذكراتٍ سماها “محطات ومواقف على دروب النضال” غطت أكثر من 1800 صفحة موزعة على مجلدين، جاءت أشبه ببانوراما مائة سنة فلسطينية.

كان إدوارد سعيد يدرك، ربما أكثر من نظرائه المثقفين الفلسطينيين، أن المعركة مع إسرائيل والصهيونية، في جوهرها، معركة تاريخية طويلة ذات نهايات مفتوحة، وهي ليست على الأرض فقط، وإنما أيضاً على الرواية والذاكرة والوعي، على التاريخ والجغرافيا معاً، تتعدّد فيها أدوات الكفاح الفلسطيني، بما فيها الإنتاج المعرفي والأدبي، وتتنوع خلالها المواجهات الفكرية القائمة على البحث والتوثيق والتمكين. ولعل هذا الإدراك العميق لمتطلبات تحصن الذاكرة الجمعية هو الذي حمل هذا الأميركي من أصل فلسطيني، قبل فترة قصيرة من وفاته، على توجيه نداء حار لبني قومه، حث فيه كل واحد منهم على كتابة حكايته، مهما كانت متواضعةً، وتدوينها بشكل منفصل، لعل هذا الجهد المتفرّق، وغير المنسق بالضرورة، يصنع، في نهاية المطاف، الرواية المشتركة لشعبٍ بات في خط الدفاع الأخير، يناضل ضد التهميش والشطب والامّحاء.

من غير المرجح أن يكون الدكتور محمد خليل، وهو أحد رجال الرعيل الأول من جيل النكبة، قد سمع بنداء إدوارد سعيد آنف الذكر، إلا أن هذا الفلسطيني، المولود في طيبة حيفا عام 1925، كان، في ذلك الوقت، يقوم من تلقاء نفسه، وبدوافع مختلفة، بكتابة حكايته الشخصية الممتدة 93 عاماً من حياة جد فيها واجتهد، أخذ منها وأعطى الكثير، ونال في غضونها قسطاً وافراً من التعليم والحظ والحظوة، في وقتٍ مبكرٍ من ذلك الزمن الفلسطيني الضائع.
دوّن الدكتور محمد خليل (موضوع هذه المطالعة) سيرته الذاتية ومسار حياته العامة، في مذكراتٍ سماها “محطات ومواقف على دروب النضال” غطت أكثر من 1800 صفحة موزعة على مجلدين (دار ورد، 2018)، طاف فيها بنا، وقصّ علينا حكايته، من عهد الطفولة في بلدته الطيبة، إلى فترة تعليمه الثانوي في القدس، ومن ثمّة دراسته الجامعية في بريطانيا، وذلك كله قبل النكبة التي غيرت دروب الشاب محمد خليل، ومعه دروب ومصائر شعب بأسره.
وأحسب أن هذه المذكرات الصادرة حديثاً في عمّان تُمثل أفضل استجابةٍ ممكنةٍ لنداء تحصين قلعة الوعي بالذات الفلسطينية، أتت في خضم سلسلةٍ طويلةٍ من مذكرات فوق شخصية، يواصل كتابتها قادة ومناضلون ورواة، لهم إسهاماتٌ متفاوتة الأهمية في بناء الحكاية المشتركة، منهم المرحوم محمد خليل الذي لا يروي لنا عن نفسه فحسب، وانما يقص علينا أيضاً جانباً من حكاية شعب، كان أبناؤه يكافحون من أجل البقاء، ومن ثم التمكن والانبعاث، لاستعادة الهوية المُصادرة، واسترداد الشخصية الوطنية.
ولعل مراجعةً سريعةً لمجريات حياة الفتى محمد خليل، لا سيما بعد النكبة، توضح لنا مقطعاً عرضياً من سيرة فلسطينية عامة، وإن كانت نخبوية، إذ نال هذا الشاب عام 1948 البكالوريوس من بريطانيا، ثم الدكتوراة من هولندا عام 1952، ليشغل في العام التالي منصب المستشار القانوني في القصر الملكي الليبي، وبعدها يعمل في الدوحة مستشاراً لدى شركة شل، ومن ثم مستشاراً في وزارة النفط الجزائرية، وقبلها في وزارة النفط العراقية.
وليس كل ما سبق سوى جزء من رحلةٍ أشمل لرجل اختصاصٍ متمكّن، تنقل بين عواصم عربية عديدة، وشغل مناصب استشارية رفيعة، آخرها منصب مستشار مجلس إدارة الهيئة القطرية للبترول عام 1977. وفي ختامها قاض غير متفرغ لدى منظمة الأقطار العربية المصدّرة للنفط حتى 1985، الأمر الذي يضفي أهمية استثنائية على مذكراتٍ وصفها صاحبها بأنها “مذكرات لم تكتمل”، على الرغم من كل ما احتشد فيها من وقائع وقصص ومحطات ومواقف، تسهم في الإضاءة على الرواية العامة.
لا يتسع المقام لاستعراض حتى أهم ما حفلت به هذه المذكرات حديثة الصدور، وطويلة الصفحات، غير أن ما حكته عن زمن فلسطيني يكاد يكون مجهولاً، وما ورد فيها من حقائق غير شخصية تماماً، يجعل من مجلديْها خزانتين عامتين مليئتين بالأخبار الموثوقة، والتجارب الشخصية، والصور التاريخية النادرة، وهي تشكّل، في مجموعها، مرجعاً يعتد به لكل باحث ومؤرّخ، راغب في إعادة تكوين صورة بانورامية، عن نحو مائة سنة فلسطينية.

إعجاب تحميل...