دعا قائد أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، أخيراً، القضاء في بلاده إلى فتح ملفّات الفساد الذي اقترفته ما أطلق عليها، هو نفسُه، “العصابة”. وهذه من الخطوات الأولى لبناء الجمهورية الثانية، لأنّها دعوة قد تؤدّي، حقّا، إلى الكشف عن المدى الذي وصل إليه الفساد، والإهدار للمال العام الذي يكون قد قضى، وفق تصريح موثّق لنائب، منذ نحو سنتين، على حوالي ألف مليار دولار، يمثّل مجموع ما تمّت إضاعته بالسرقة أو بتمكين من يُسمّون “رجال المال” من قروض، وصفقات ومنجزات وهمية لم تتحقّق، وهي مقاربات جدّ ذكيّة لسرقة المال العام، وإنشاء شبكات فسادٍ، يمكن اعتبارها بمثابة شبكات مافيا كبيرة.

بداية، لا يمكن الفصل بين الملفات السياسية والقضائية في إطار الانتقال من حالة الاستبداد إلى وضع يتمكّن الجزائريون، من خلاله، من الوصول إلى بناء دولة القانون، إذ يندرج ذلك تحت مسمّى “العدالة الانتقالية” تُفتح، في أثنائها، جميع الملفات التي تجمع بين حالات الفساد، واستعمال السلطة للإثراء غير الشرعي، والتعذيب ونهب المال العام.
وباتّخاذ قرار الإسراع بفتح تلك الملفات، تكون قيادة الأركان قد استمعت لجزء من مطالب الحراك، إذ إنّ الجزء الأكبر منه، والخاصّ بالمظلوميات، إنّما كان منطلقه الفساد المستشري في دواليب المؤسّسات، والذي لاحظ الجزائريون، من خلاله، كيف تمّ نهب المال العام من دون أن تصل البلاد إلى تحقيق منجزات ما، خصوصا أنّ منحنى ذلك الفساد ازداد حجمه بتدفّق الأموال جرّاء الطفرة النفطية (وصل سعر برميل النفط في يونيو/ حزيران 2008 إلى 148 دولارا)، وبروز من يسمون في الجزائر “رجال المال”، المتحالفين مع جهاز الرئاسة السابق، 
“الفساد، والإهدار للمال العام قضى على حوالي ألف مليار دولار”

ليشكلوا، معا، منظومة فسادٍ تكون قد أتت، وفق التصريح البرلماني المشار إليه، على ثروةٍ كان من شأنها، لو صُرفت بطريقة عقلانية، نقل البلاد إلى مصاف الدول الناشئة أو الصاعدة.
هناك ملاحظات يجب الانتباه إليها بشأن الملف القضائي، إذ إن الإيجابي فتحه في خطوةٍ يمكن اعتبارها تجاوبا مع مطالب الحراك. ولكن، في جانبه السلبي، لا يمكن أن تتمّ عملية المقاضاة والمتابعة إلا من خلال تحقيقات شفافة، حتى نبعد شبهة العمليات الانتقامية، أو تصفية حسابات مع كلّ المتورطين، أيّا كانوا، وأيّا كانت المؤسسات التي ينتمون إليها، وأيّا كانت رمزيتهم بالنسبة للمواقع التي احتلّوا فيها مناصب، وذلك كلّه حفاظا على صورة الجزائر، وإعمالاً لأولى خطوات إقرار دولة القانون، بإنشاء عدالة انتقالية حقيقية.
من ناحية ثانية، كيف يمكن، منطقياً، تصديق أن رجال المال وحدهم المتورّطون في قضايا الفساد، إذ إن تمكينهم من الصفقات، والعقارات وتحويل الأموال، بالنسبة لبعضهم، إلى الخارج، إنّما تمّ من خلال أجهزة الدولة ومؤسساتها، وبتوقيع مسؤولين ما زال كثيرون منهم يمارسون مهامّهم، دونما اكتراث بتلك المسؤولية، ولا متابعات من جهاز القضاء. يقتضي الأمر، بالنتيجة، مقاضاة هؤلاء (رجال المال ومن يقف وراءهم من سياسيين ومسؤولين) تحقيقاً لقيم الحق والقانون، من ناحية، وإعمالا لمبادئ العدالة الانتقالية، من ناحية أخرى.
هناك ملاحظة ثالثة، متصلة بسرعة وتيرة الملف القضائي، بالمقارنة مع البطء الذي لوحظ على 

“كيف يمكن، منطقياً، تصديق أن رجال المال وحدهم المتورّطون في قضايا الفساد؟”

مستوى الملف السياسي، وهو ما أكّد عليه المتظاهرون في الجمعة العاشرة، إذ إنّهم تحّدثوا عن وجوب الاهتمام بالملفين، لأن هناك تداخلا بينهما، لاعتقادٍ أنّ من مكّنوا رجال المال من نهب المال العام يُوجدون في دواليب المؤسّسات، وما زالوا يسيّرون إدارات مهمة، قد يتمكنون، من خلال ذلك، من التغطية على الملفات الشائكة، أو إزالة آثار تلك الملفات، ما يمنع من الوصول إلى الحقيقة وإقرار العدالة.
وقد لوحظ مع بداية الأسبوع الحالي (الأخير من شهر إبريل/ نيسان) إطلاق مبادرات عديدة، تداركاً لذلك البطء، وتجاوبا مع اعتبار قيادة أركان الجيش نفسها أنها منفتحة على كل المبادرات الحوارية، ما يؤكد على أن ثمة نضجاً لدى الفاعلين الأساسيين، الآن، في إطار هذا الحراك، وهما مؤسسة الجيش والمتظاهرين، بعد زوال لحظات الحذر وتغير الصورة النمطية التي يحملها كل منهما عن الآخر، لتولد بوادر ثقافة سياسية، قد يكون من مخارجها الوصول إلى حل (أو حلول، وفق لغة الجيش) للانسداد الذي تعرفه الجزائر منذ فبراير/ شباط الماضي.
على هذا، يتم تدارك ذلك البطء على مستوى الملف السياسي، ويُرفع اللبس الذي قد يشكّل عقبة في طريق بدء مرحلة الحوار/ التفاوض بشأن مستقبل الأزمة السياسية – الدستورية، وهو ما يكون قد انطلق مع سلسلة من الإقالات (الأمين العام السابق للرئاسة مثلا)، والاستدعاءات للمثول أمام القضاء، بعد رفع الحصانة (يتعلق الأمر، هنا، أساساً، بالأمين العام السابق للحزب الحاكم، جمال ولد عباس) إضافة إلى إرادة فتح ملفاتٍ، يكون مقربون من الرئيس السابق، بوتفليقة، مشتبه بأنهم متورّطون فيها، على غرار وزير الطاقة السابق شكيب خليل.
مجرّد التّفكير في توازي العمل على الملّفين هو بداية للاقتراب من الجلوس حول طاولة 

“يحسن التأكيد على التوافق، مناطه وجود عناصر الثقة، وإرادة الحوار، إضافة إلى الضمانات، وهي متوافرة الآن”

المفاوضات/ الحوار، وهو منتهى أية أزمة، ذلك أن السياسة فن الممكن، كما أن التسوية لا تتم إلا بوجود فاعلين، لهم إرادة التفاوض، ولديهم عروض يتم التداول بشأنها، إضافة إلى وجود عنصر قبول التنازل، عند اللزوم، تقريبا لوجهات النظر، وإقرارا لإرادة إيجاد حل للأزمة، والخروج من حالة الانسداد.
قد تكون هذه بشائر خير على الجزائر، خصوصاً أنها تتزامن مع انتخاب رئيس جديد لنقابة القضاة، وهو يسعد مبروك، الذي يمثل رمزية كبيرة، كونه من أوائل من رافع ضد العهدة الخامسة للرئيس المستقيل داخل سلك القضاء، كما أن ذلك يعتبر ضوءاً أخضر لملفين مهمين، القضائي حتى يُفتح على أسس العدالة الانتقالية، والسياسي كون القضاء يضمن آلية نزاهة الانتخابات ومصداقيتها، من حيث الإشراف على المسار المؤدي إلى رئاسياتٍ حقيقية، نظيفة وشفافة.
مرة أخرى، يحسن التأكيد على التوافق، مناطه وجود عناصر الثقة، وإرادة الحوار، إضافة إلى الضمانات (الشخصيات المذكورة لتكون على رأس الهيئات الانتقالية شخصيات ذات قابلية لدى الجزائريين)، وهي متوفرة الآن، ما يمنح البلاد فرصة تاريخية لإقرار التغيير، والوصول إلى تفعيله على أرض الواقع، لتنطلق الجزائر في بناء مشروعها الذي يتوق إليه الجزائريون، ذلك أن قدرات البلاد كبيرة، وهي كفيلة بفتح الباب على مصراعيه، للتقدم نحو مكانة الجزائر الحقيقية، مكانة القوة الإقليمية في غرب المتوسط والمنطقة الساحلية – الصحراوية في إطار، وهذا مهم وحيوي للجزائر، بناء اندماجي – تكاملي يشمل المغرب العربي كله، وإن غدا لناظره لقريب.