ما كان أعتى المنظرين القوميين في زمن رياضة الانقلابات ليتخيل أن الشعب العربي واحد موحد في الهموم والآمال، كما يظهر الآن، حيث يصيح صائح في السودان، فيجيبه آخر في ساحات الجزائر، فينفعل تونسي ومصري، ويبكيان ويضحكان، ويأمل يمني وسوري، وربما ارتجف قلب مقهور في نجد والحجاز، وإن صمت حتى حين.

أمة واحدة. أمة لم يصنعها الانقلابيون باسمها، بل صنع وحدتها الشوق إلى الحرية والديمقراطية والرشد في البناء والتنمية.. آمال مؤجلة منذ عقود بل منذ قرون، وها هي تعبر عن نفسها. سأطوف هنا حول هذه الروح الواحدة، أكثر ما أخبر عما يجري يوميا في الساحات، فالأحداث تتسارع والإخبار عنها كثير.

الموجة الأولى بعث

يوم خرج التونسيون للساحات وبدأوا دفع ضريبة الدم، لم يدر بخلد أحد منهم أن مصر قريبة إلى الحد الذي فكت عنهم الحصار. لاحقا، قال قائلهم: لولا النجدة المصرية لشردونا من بلدنا.. وبينما مصر في مليونياتها، خرج اليمنيون والليبيون والمغاربة، فإذا أمة تبعث من ركام، وبدأت صورة تتضح: المنطقة واحدة، وإن فرقتها حدود مرسومة بالمخافر والعسس.. وحدة في الشعارات ووحدة في المطالب، ووحدة في الأخطاء أيضا. لذلك أفلح أعداء هذه الشعوب في اختراق طموحاتها، وارتدوا عليها بصيغ مختلفة.

 

موجة الربيع العربي الأولى كشفت أن عمل 70 سنة من التقسيم لم تفرق الشعوب، بل وحّدتها، لكن في القهر والغبن والأمل


متى نشأ هذا الشعور الموحد لشعوب أريد لها أن تكون في حالة حرب بينية؟ إنها حالة ليست جديدة، وعلى ذلك علامات ليس أقلها تطوع عرب الغرب الإسلامي في حروب فلسطين منذ العام 1948، ولكن في 70 عاما من الدولة القُطرية، كان العمل على التقسيم أكثر مما كان على التوحيد، رغم الجامعة العربية.

موجة الربيع العربي الأولى كشفت أن عمل 70 سنة من التقسيم لم تفرق الشعوب، بل وحّدتها، لكن في القهر والغبن والأمل.

الموجة الثانية للتصحيح

بات واضحا أن الثورة المصرية فشلت حتى الآن، خاصة بعد التمكين للعسكر بالاستفتاء الأخير على تأبيد حكم السيسي، بينما يكابد التونسيون عودة المنظومة القديمة بالحيلة، وصارت الثورة اليمنية إلى حرب دامية. لكن في قمة اليأس انطلق الشارع السوداني، ولحقه الشارع الجزائري، فإذا روح 2011 تعود بكل زخمها، وبات الشباب المؤمن بالتغيير يناصر الساحات السودانية والجزائرية، كأنه فيها ومن أهلها، وصارت كل بنات العرب كنداكات، ولم يكن سمعن اللفظ يوما، وصار الجميع ناصحا ومحذرا ألّا يرتكب اللاحقون أخطاء الأولين.

 

في قمة اليأس انطلق الشارع السوداني، ولحقه الشارع الجزائري، فإذا روح 2011 تعود بكل زخمها، وبات الشباب المؤمن بالتغيير يناصر الساحات السودانية والجزائرية


الساحة العربية واحدة، والجوع إلى الحرية واحد، والحدود الاستعمارية كذبة على الورق. أمة واحدة ومستقبل واحد، إذا أفلح السودان عادت مصر، وإذا أفلحت الجزائر تحررت تونس والمغرب، وإذا أفلح الجميع تحررت فلسطين. ما كان لأحد أن يتخيل عمق هذه الروابط، فلقد كان زعماء القومية العربية أكثر الأنظمة حرصا على تفريق الشعوب باسم توحيدها، وقد أفشلوا كل التواصل المحتمل بينها؛ حرصا على أنظمتهم لا حرصا على أمتهم. وقمة المسخرة كانت حروب أنظمة البعث القومية التي فرقت العراق عن سوريا.

ما بعد الجمل الإنشائية.. أين الطريق؟

يمكننا أن نستعيد خطاب تمجيد الذات وترويج خطاب الانتصار، ولكن وجب الاعتبار والبحث عن سبل للنجاة وإنقاذ الربيع العربي من الثورات المضادة. بعد فشل الموجة الأولى، تبينت أخطاء كثيرة؛ لعل في مقدمتها تلهف النخب السياسية على قطف جنى الثورة قبل نضجه، وهي البوابة التي فتحت بالانتخابات السريعة، وجعلت الجماهير تفرغ الساحات، وهي المهدد الكامن في ثورتي السودان والجزائر، وقد بدأت نذرها تلوح.

خُيّل للناس أن قطار الحرية انطلق، فكان إفراغ الساحات كارثة شارك فيها الجميع، فانخذلوا لأن الضغط على المنظومات انفرج، فإذا بالثورة المضادة ترتب أوراقها وتعود، فلم يمكن بعدها إعادة الجماهير إلى الشوارع. ولا تزال نخب في تونس ومصر إذا ذكر الشارع ارتعدت مفاصلها؛ لأنها ورطت الثورات وحرفتها عن مسارها.

 

خُيّل للناس أن قطار الحرية انطلق، فكان إفراغ الساحات كارثة شارك فيها الجميع، فانخذلوا لأن الضغط على المنظومات انفرج، فإذا بالثورة المضادة ترتب أوراقها وتعود، فلم يمكن بعدها إعادة الجماهير إلى الشوارع


حتى اللحظة، يبدو الشارع الجزائري منتبها لهذه الألاعيب. وقد راقبنا الشارع كل يوم الجمعة، فكان زخمه يزداد وعيا وانتباها إلى الاختراقات الخارجية والتلاعب الداخلي، فلم يهادن، ولا يبدو أنه سيتراجع أو ينخدع. ويبدو أن السودانيين قد انتبهوا إلى الانقلاب المتسلل بينهم، فلم يفرغوا الساحات، وكسروا حظر التجول، ووضعوا المقارنة المنهجية بين احتمالات النصر أو احتمالات الردة المصرية (النصر أو مصر). وما دامت الساحات عامرة تتحرك، فلن يمكن الاحتيال عليها، ولكن النخب تتسلل بعد، وخاصة نخبة اليسار السوداني.

وجبت مراقبة الأنظمة وفلولها وأنصارها من الخارج، ووجبت بالأخص مراقبة النخب التي تفكر بطريقة اللصوص الثعالب التي تأتي في لباس الواعظين، لتسرق الثورات لصالح أيديولوجياتها الميتة ومشاريعها السياسية التي لم تحرك الشارع ولا قدمت له الحلول.

سيكون من العسير إعادة إطلاق الشوارع في تونس وفي مصر؛ ما لم تحصل مكاسب متقدمة في السودان والجزائر. فالتونسيون يفخرون كذبا بأنهم تقدموا على غيرهم في إنجاز تحول سياسي (وهذه من أكاذيب النخب الثعالب)، ولكن الحالة المصرية تملك أن تغير.. العالم المحيط بالربيع العربي، وخاصة الصهاينة وملوك النفط، يعرف ذلك ويستبق.

 

سيكون من العسير إعادة إطلاق الشوارع في تونس وفي مصر؛ ما لم تحصل مكاسب متقدمة في السودان والجزائر


نقول الآن بأمل بعد خيبة: لقد خُدع المصريون خديعة مهينة من جيشهم ومن نخبهم، فلم يخسروا ثورتهم الأولى فقط، بل هم يعيشون الانقلاب كإهانة لذكائهم ووعيهم وتاريخهم، وهذا الشعور وحده كفيل بإطلاق انتفاضة جديدة؛ ستكون فيها نجاة مصر والسودان والأمة. والأمر مرهون بمن يشبه الصرخة الأولى.

مصر تستطيع لأن السودان استطاع، ولأن الجزائر استطاعت، ولأن ممولي الثورة المضادة أفلسوا وافتضح أمرهم، كما افتضح أمر العسكر الذين ينظمون الخيانة ويعيشون منها. لقد راكم الربيع العربي وعيا كافيا لكي لا يفشل أو يخدع ثانية. هل نبالغ في الأمل؟ كيف ومتى سيحدث ذلك؟ هي لحظة لا يمكن توقعها بدقة، فهي لا تركب قطارا يابانيا يصل في مواعيد مضبوطة.

إنه ليس من باب التمني، وإن كان يحق لنا أن نتمنى على مصر، ولكن إذا عادت مصر إلى شوارعها فسيكون الربيع العربي في موجته الثانية زلزالا في التاريخ والجغرافيا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"