ليس لنا ذكريات طيبة مع الصناديق عموماً، أما صناديق الانتخاب خاصةً فقد انتهت بكوارث مفجعة.. في فلسطين بفوز قائمة التغيير والإصلاح المحسوبة على حركة حماس؛ بنسبة ثلثي مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني لعام 2006، الذي لم يقبل به الغرب، وفي مصر بفوز مرسي عن الإخوان برئاسة مصر 2012، والذي تآمر عليه الغرب والعسكر، ومن قبلهما في الجزائر بفوز الجبهة الإسلامية في الانتخابات التشريعية سنة 1990 فكانت العقوبة بعشرية سوداء. وقد نجا الغرب بالصندوق إلى ما نرى من تقدم علمي؛ لأنه ليس للغرب غرب، كما نجا الراوي من الحوت في رواية "موبي ديك" في صندوق، وكذلك نجا موسى عليه السلام بتابوت.

يرتبط الصندوق في التراث العالمي والأثر العربي بالمآسي والخسارة والابتلاء والمفاجأة وإثارة الرعب، والسر والكتمان والدفن والتابوت. السجن صندوق من حجر، والزنزانة صندوق أصغر. السيسي ليس بطل هذا المقال الجمهوري ولا الأسد، وهما من أبطال المكر بالصناديق، بل بطله صندوق، وفيه أبطال كثر.. لقد كان هذا الوطن صندوقاً كبيراً.. الصندوق هو قراب السيف الجديد.

استورد ملوك الجمهوريات التي قامت على أنقاض الملكية التي نأسى على أيامها؛ صندوق الانتخاب، وبقوا ملوكاً بلقب رئيس جمهورية، فلم تكن كل هذه الظلمات في أيام الملكيات والزمن الجميل.. الانتخاب معروف النتائج، ليس لقياس رضا الشعب عن الرئيس، بل لقياس رضى الرئيس عن الشعب. صندوق الاستفتاءات هو الصندوق الأسود للرعية الجديدة الذي لم يكن في عصر الملوك.

ليس للطائرات وحدها صندوق أسود، فللجمهوريات العربية صندوق أسود شفاف اسمه صندوق الاستفتاءات؛ يجعل الناس في محن وابتلاء شديد كل فترة انتخابية.. الدولة تهدد الشعب قبل الانتخابات، فلديها جداول بأسمائهم ومعاشاتهم، ولذا رأينا كثيراً من المستفتين المصريين الذين تنازلوا عن حقهم؛ يحرصون على صورة تذكارية بجانب الصندوق، وكأنه هرم صغير والرئيس هو أبو الهول الذي يمتحن الناس فيقتل كل من يقول لا، كما في قصة أوديب.

الصورة والوقائع التي حفظها الصندوق الأسود بذاكرته مقلوبة، فالذين قالوا لا هم النسبة التي زعمت السلطة أنها قالت نعم، ولهذا كافأ السيسي الشعب في اليوم التالي على التمديد له عشر سنوات، بفرض قانون "الضواري". لا يستطيع أبو الهول الحركة إلا والشعب في الأسر، ويريد الناسَ أطفالاً في مرحلة الحبو على أربعة، أو شيوخاً في مرحلة المشي على عكاز.

صندوق باندورا:

نتذكر من شرور الصناديق صندوق باندورا في الميثولوجيا الإغريقية، هو صندوق حُمل بواسطة باندورا يتضمن كل شرور البشرية من جشع، وغرور، وافتراء، وكذب، وحسد، ووهن، ووقاحة، ورجاء. بعد سرقة بروميثيوس النار، أمر زيوس ابنه هيفيستوس بخلق المرأة باندورا كجزء من العقوبة على البشرية. أعطيت باندورا الكثير من الهدايا من أفروديت وهيرميز والكارايتات وهوري. حذر بروميثيوس شقيقه إبيميثوز من أخذ أي هدية من زيوس خوفاً من أعمال انتقامية، غير أن إبيميثوز لم يصغ وتزوج باندورا التي كانت تمتلك صندوق أعطاها زيوس إياه، وأمرها ألا تفتحه، غير أن باندورا فتحت الصندوق وخرجت كل شرور البشر منه، أسرعت باندورا لإغلاق الصندوق، ولم يبق فيه من الشرور إلا فقدان الأمل لم يصب البشر.

صناديق قصير بن سعيد:

يمكن أن نتذكر صناديق قصير بن سعيد الأربعين أو الألف في رواية أخرى، عندما أراد الانتقام من الزبّاء، وهي حكاية تشبه حكاية الصندوق المخبأ في جوف حصان طروادة.. الصندوق كان خدعة.

يقول أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل: وكان جذيمة الذي غدرت به الزباء، قد استعمل على ملكه ابن أخته عمرو بن عدي بن النضر بن ربيعة اللخمي، وقال قصير لعمرو: اطلب بثأرك منها. قال: "كيف وهي أمنع من عقاب الجو"؟ فقال قصير: أما إذا أبيت، فإني سأحتال، فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم أتى الزباء، فقالت: "لأمر ما جدع قصير أنفه". فقال: اتهمنى عمرو في مشورتي على خاله بإتيانك فجدعني، فلم تقر نفسي عنك، وإن لي مالاً كثيراً بالعراق، فأعطيني شيئاً، وأرسليني بعلة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه من طرائف العراق. ففعلت، فأطرفها وزادها مالاً كثيراً، وقال: هو ربح، فأعجبها وسرّت به، فردته ثانية، فأطرفها وزادها، وتلطف حتى علم موضع الإنفاق، ثم ردته ثالثة، فأتى عمراً فقال: احمل الرجال فى الصناديق على الإبل، ففعل، وفيهم عمرو، فلما وافاها، نظرت إلى العير، فقالت: إن العير لتحمل صخراً أو تطأ فى وحل، وصنع لها رجزا، فقالت:

ما للجمال مشيها وئيدا... أجندلا يحملن أم حديدا

ودخلت العير المدينة، وكانت أفواه الجواليق مربوطة من قبل الرجال فحلّوها، ووقعوا إلى الأرض مستلمين، وشدوا عليها فخرجت هاربة تريد السرب، فاستقبلها قصير وعمرو، فضربها عمرو فقتلها. ويقال: بل كان لها خاتم فيه سم فمصته، وقالت: "بيدي لا بيد عمرو"، فماتت، وسُبيت الذراري، ونُهبت الأموال.

صندوق العشق الموؤود:

ويروي ابن الجوزي في كتاب النساء: أنّ وضّاح اليمن نشأ هو وأمّ البنين، بنت عبد العزيز بن مروان، في المدينة صغيرين، فأحبّها وأحبّته، وكان لا يصبر عنها حتّى إذا شبّت حجبت عنه، فطال بهما البلاء. فحجّ الوليد بن عبد الملك، فبلغه جمال أمّ البنين وأدبها فتزوّجها ونقلها معه إلى الشّام، فذهب عقل وضّاح عليها وجعل يذوب وينحل، فلمّا طال عليه البلاء وصار إلى الوسواس؛ خرج إلى مكّة حاجاً، وقال لعلّي أستعيذ بالله ممّا أنا فيه وأدعو الله فلعلّه يرحمني.

فلمّا قضى حجّه شخص إلى الشّام، فجعل يطوف بقصر الوليد بن عبد الملك في كلّ يومٍ لا يجد حيلةً، حتّى رأى في يومٍ من الأيّام جاريةً صفراء خارجةً من القصر تمشي فمشى معها، ولم يزل بها حتّى أنست به فقال لها: أتعرفين أمّ البنين بموضعي؟ فقالت: عن مولاتي تسأل؟ قال لها: هي ابنة عمّي، وإنّها لتسرّ بموضعي لو أخبرتها، قالت: فأنا أخبرها.

فمضت الجّارية فأخبرت أمّ البنين، فقالت لها: ويلك أحيٌّ هو؟ قالت لها: نعم يا مولاتي. قالت لها: ارجعي إليه، وقولي له كن مكانك حتّى يأتيك رسولي، فإنّي لا أدع الاحتيال لك. واحتالت له فأدخلته في صندوق، فمكث عندها حيناً، فإذا أمنت أخرجته فقعد معها، وإذا خافت عين رقيب أدخلته في الصّندوق.

وأهدي يوماً لوليد جوهر، فقال لبعض خدمه خذ هذا العقد وأمض به إلى أمّ البنين، وقل لها: أهدي هذا إلى أمير المؤمنين فوجّه به إليك. فدخل الخادم مفاجأةً ووضّاح معها قاعد فلمحه الخادم، ولم تشعر أمّ البنين، فبادر إلى الصّندوق فدخله.

وأدّى الخادم الرّسالة، وقال: هبي لي من هذا الجوهر حجراً واحداً. فقالت له: لا أمّ لك، فما تصنع بهذا. فخرج وهو عليها حنق، فجاء الوليد فأخبره الخبر ووصف له الصّندوق الذي رآه دخله، فقال له: كذبت، لا أمّ لك: ثمّ نهض الوليد مسرعاً، فدخل إليها وهي في ذلك البيت وفيه صناديق كثيرة، فجاء حتّى جلس على ذلك الصّندوق الذي وصف له الخادم، فقال لها: يا أمّ البنين هبي لي صندوقاً من صناديقك هذه؟ قالت: أنا لك يا أمير المؤمنين، وهي لك، فخذ أيّها شئت. قال: ما أريد إلاّ هذا الذي تحتي. قالت له: يا أمير المؤمنين إنّ فيه شيئاً من أمور النّساء. فقال: ما أريد غيره. قالت فهو لك.

قال فأمر به فحمل، ودعا بغلامين وأمرهما أن يحفرا حتّى وصلا إلى الماء، ثمّ وضع فمه في الصّندوق وقال: يا صاحب الصّندوق قد بلغنا عنك شيء، فإن كان حقّاً فقد دفنّا خبرك، وإن كان كذباً فما أهون علينا، إنّما دفنّا صندوقاً. وأمر بالصّندوق فألقي في الحفيرة، وأمر بالخدّام الذي عرفه فقذف معه، وردّ التّراب عليهما. قال: فكانت أمّ البنين لا ترى إلاّ في ذلك المكان تبكي، إلى أن وجدت ذات يومٍ مكبوبةً على وجهها ميّتة.

رأس أبي العلاء في صندوق:

وكانت الملوك تتهادى رؤوس أعدائها في صناديق، ويمكن أن نذكر عبد الرحمن الداخل، مؤسس دولة الأندلس الأموية، الذي أتى إلى الخليفة العباسي وهو في الحج بمكة برأس العلاء بن المغيث ومعه لفافة بها آذان جند العلاء، كل أذن مكتوب عليها اسم صاحبها، فلما رآها المنصور اشتد غضبه وأطلق على عبد الرحمن لقب صقر قريش، وقال: "الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان بحرا".

المأمون يتعرض لمكيدة:

يروي الأنصاري الشرواني في "نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن" أن ابراهيم بن المهدي اختفى مرة عن المأمون عند عجوز فقالت له سأحتال لك في شيء من الدراهم، فقال لا بأس فأتت المأمون وقالت له إن دللتك على إبراهيم بن المهدي ماذا تجعل لي؟ قال مئة ألف درهم، فقالت وجه معي رسولاً ومره أن يطيعني في جميع ما آمره به، فجاءت به إلى مسجد فيه صندوق كبير وقالت له ادخل في هذا الصندوق، فامتنع، فقالت له ألم يأمرك أمير المؤمنين بطاعتي، فكيف تمتنع؟ وإن لم تفعل انصرفت، فدخل حسين في الصندوق وأتت بحمال فحمله، فجعلت تطوف به في الأسواق والشطوط، فمرّة يسمع صوت الحدادين ومرة يسمع صوت الملاحين، فلما أظلم الليل أدخلته داراً وفتحت عنه، فإذا هو بمجلس عظيم وفي صدره ابراهيم بن المهدي يشرب، وبين يديه قيان يغنين، فأكب على رجلي إبراهيم يقبلهما، وتناولت العجوز منه الدنانير، فسأله إبراهيم عن المأمون، وناوله القدح فشرب، ثم قدم له طعاماً فأكل، ثم سقاه شراباً فيه بنج، فلما سكر أدخل في الصندوق وقفل عليه، وحمل إلى باب العامة فألقي هناك، فلما أصبح الناس رأوا الصندوق وليس معه أحد، فأنهوا خبره إلى المأمون فأحضر وفتح، فإذا حسين الخادم ملوث، فعولج حتى أفاق، فقال له المأمون: رأيت إبراهيم؟ قال أي والله يا أمير المؤمنين. قال أين هو؟ قال لا أدري.. وحدثه بالقصة، فقال المأمون خدعتنا والله العجوز وذهب المال.

لم نر خيراً من الصندوق الانتخابي، فيه رأس زكريا عليه السلام، وخدع قصير بن سعيد، وجثة العاشق وضاح اليمن الذي دفن حياً، ورأس الشعب المصري، ورأس الشعب السوري، ورأس الشعب العراقي، ومصر مأسورة في صندوقين هما صندوق الانتخاب والنقد الدولي.

الصندوق الانتخابي الجمهوري هو مقياس لرضا الرئيس المعروف الفائز عن الشعب مثل مقياس الضغط والحرارة والميزان. لقد كانت الانتخابات وبالاً على الشعوب في فلسطين وفي الجزائر وفي مصر؛ لأنها صدقت فنالت ما نرى.

لقد عانت الشعوب العربية من صندوق الانتخاب هنا. وفي الغرب، يمكن أن نشير إلى فوز هتلر، الذي أدى إلى احتلال فلسطين، وفوز ترامب الذي يقود صفقة القرن.

لقد وقعنا تحت الاحتلال بالصندوق الانتخابي. ونحن نعيش في صندوق، لا نحيا، ولا نموت.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"