cd3763a4-aed9-4eb0-b890-3cd06972783a.jpg

مقالات

معن البياري

هنالك فرصةٌ نادرةٌ تتوفر لليسار في السودان، لا ليلتقط أنفاسه فقط، بعد تنكيلٍ كثيرٍ غالبه في الأعوام الثلاثين الماضية وقبلها، وإنما أيضاً لتظهير نفسه صاحب المبادرة والأهلية والفاعلية والكفاءة، في غضون انعطافة السودان إلى عهد جديد.

أكثر من مائة حزب في السودان، تتباين حجومها وفاعلياتها. ليست صفتُها أحزاباً فحسب ملحوظةً تماماً في المشهد المستجد في البلاد منذ أولى مسيرات الانتفاضة الراهنة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إذ تنزاح هذه الصفة في اندراج بعض هذه الأحزاب (أو هيئات منها) في التكتلات الأربعة (أو ربما أكثر) التي يتشكّل منها “إعلان الحرية والتغيير”، والذي يعد “تجمع المهنيين” أبرز قواه وأهم تكتلاته، فالميزة الظاهرة في التجمع أن السّمْت الحزبي فيه شحيحٌ، وأن صفته للمهنيين تنطقُ بما هو عليه بالضبط، باعتباره تشكيلاً تمثيلياً لأطباء ومحامين وصحافيين ومهندسين وأساتذة جامعيين، معارضين للنقابات التي ظلت تمتثل لسلطة نظام عمر البشير. ما يجعل البعد النقابي، بروحٍ كفاحيةٍ بادية، اللون الأبرز لأداء هؤلاء المهنيين في الكيانات التي تضمهم، ويؤطّرها هذا التجمع الذي وُصف بأنه شبه سرّي، منذ تأسيسه في غضون احتجاجات سبتمبر/ أيلول 2013، ثم ترسيم معالمه في 2016، وإشهاره في 2018. والمعطى هنا أن المطلبي المعيشي الاجتماعي هو المحتوى العام لمشاغل هذا التجمّع، كما دلت وقائع متتالية، أكدّتها وقفته الاحتجاجية في 25 ديسمبر/ كانون الأول أمام مقر المجلس الوطني (البرلمان)، ليسلّم رئاسة المجلس توصياتِه بشأن رفع الحد الأدنى للأجور، ولتتحوّل هذه الوقفة إلى مسيرةٍ باتجاه القصر الرئاسي. ثم لينعطف السودان، بدءاً من هذه المسيرة، إلى انتفاضةٍ، تدخلت قيادة الجيش في غضونها، لتزيح عمر البشير، ثم يُبرِز الاعتصامُ الثوري أمام مقر قيادة الجيش “إعلان الحرية والتغيير” عنواناً سياسياً للانتفاضة، يُفاوض المجلس العسكري المستجد بشأن المرحلة الانتقالية الراهنة.

لم تكن أجهزة البشير تكذب في اتهامها “تجمع المهنيين” بأنه يخضع لتمثيلاتٍ يسارية، منها الحزب الشيوعي، وإنما كانت تكذب في رميها المهنيين في تجمّعهم هذا بأنهم يتلقون دعماً خارجياً، ويعملون لجهاتٍ أجنبية. ولمّا كان المزاج العام في التكتلات الأربعة (وربما أكثر) لقوى إعلان الحرية والتغيير تشكّله تنويعاتٌ من يساريين وقوميين وشيوعيين وناصريين، ومع انسحاب ممثلين من حزب المؤتمر الشعبي العام (الإسلامي النزعة، الترابي التأسيس في 1999) من تكتل “الإجماع الوطني” المنضوي في “الحرية والتغيير”، يصير في الوُسع أن يُقال إن اللون الإسلامي السياسي، الإخواني وغيره، غائبٌ من هذا التشكيل العريض. أما أن ثمّة شحناتٍ إسلاميةً تقليدية، صوفية وغيرها، في الاتحادات التي تتبع حزب الأمة وغيره، وتنخرط في تكتلات إعلان الحرية والتغيير، فلا دلالة خاصة لهذا.
إنها إذن فرصةٌ نادرةٌ تتوفر لليسار في السودان، لا ليلتقط أنفاسه فقط، بعد تنكيلٍ كثيرٍ غالبه في الأعوام الثلاثين الماضية وقبلها، وإنما أيضاً لتظهير نفسه صاحب المبادرة والأهلية والفاعلية والكفاءة، في غضون انعطافة السودان إلى عهد جديد، يُفترض أن يقطع مع ركاكة الماضي. وليس من الحصافة أن يقدّم معلقٌ متعجلٌ في صحافةٍ سيّارة، كما حال صاحب هذه الكلمات، دروساً لأهل هذا اليسار في هذا البلد الذي يُغالب مشكلاتٍ عويصةً على غير صعيد، وإنما هي بديهياتٌ تذكّر بنفسها، من قبيل أن الاختبار الاستثنائي أمام قوى اليسار السوداني المتعب، والمثقل بمراراتٍ وفيرة، يفرض عليها أن تتخفّف من تأثيرات هذه المرارات ووطأتها، وأن لا تتعامل مع المغايرين لها بذهنية المنافسة في اتحاد طلابٍ جامعيين، أو المنازعة في انتخابات نقابة معلمين. الأمر هنا مختلف، يتعلق بدولةٍ، وبمسؤوليةٍ ثقيلة عن حاجات مواطنين لا تتوقف.
قوى اليسار السوداني مطالبةٌ، في غضون الفرصة النادرة الراهنة، بأن تجترح الصيغة العملية، الممكنة والملحة، لتنزيل الأطروحات والمقولات إياها عن عدالةٍ اجتماعيةٍ وحرياتٍ وديمقراطية إلى الواقع. ومن أولى لوازم هذا الاستحقاق أن يكون السودان “وطناً يسع الجميع”، الشعار الذي ذكّر به بيانٌ لإعلان الحرية والتغيير دان اعتداءً شنيعاً على اجتماعٍ لمجلس الشورى لحزب المؤتمر الشعبي، السبت الماضي. والمرجوّ أن لا يكون يساريون أخذتهم روحية الانتصار المتعجّل هم الذين أقدموا على الفعلة التي جاءت إدانة البيان لها معطوفةً على تذكيرٍ بتحمّل رموزٍ من الحزب المُعتدى عليه “وزراً كبيراً فيما حدث خلال 30 عاماً”. وهذه قصةٌ سودانية، كما كثيرٌ غيرها، شرحُها يطول.

إعجاب تحميل...