مقالات

فلاح العرار (العراق)

أهم عوامل القضاء على الفساد يكمن في إنهاء العمل بصفة المحاصصة، وتغليب مصالح الحزب والأقارب والأصدقاء على مصلحة الدولة، هذه المحاصصة التي أنتجت كماً كبيراً من الأشخاص غير الأكفاء الذين تسنّموا مناصب تنفيذية.

ظواهر الفساد كثيرة، تأتي بصور وأشكال متعددة، هادمة للدول ممزقة لثوابتها، حيث يفتك الفساد في المجتمعات ويهدد استقرارها وازدهارها.

ويبقى الفساد المالي ظاهرة عالمية شديدة الانتشار، وهي ذات جذور عميقة وأبعاد واسعة، تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينها، إذ حظيت ظاهرة الفساد، في الآونة الأخيرة، باهتمام الباحثين في مختلف الاختصاصات.
لظاهرة الفساد آثار مدمرة ونتائج سلبية مقيتة تطاول كل مقومات الحياة، فتهدر الأموال وتبدد الثروات والطاقات، ما يعني أن منظومة الفساد تتشكل للتخريب والإفساد والتسبب في مزيد من التأخير في عملية البناء، والتقدم لا على المستوى الاقتصادي والمالي فقط، بل في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي والوعي الفكري، ناهيك عن مؤسسات ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس.
ولا يشمل هذا القطاع الحكومي فقط، بل أصبح القطاع الخاص أكثر فساداً وضرراً على الدولة والمجتمع من غيره، إذ أصبح يُعنى بالغش التجاري والتهريب، الأمر الذي لا يتسبّب بسرقة قوت المواطن فحسب، بل أبعد من ذلك أصبح فساد القطاع الخاص يهدّد حياة المواطن. وهنا أهمية الدوائر والمنظمات الرقابية، من خلال اقتراح مدخل متكامل لتطوير وتفعيل دور الأجهزة الرقابية في محاربة الفساد، من خلال إقرار القوانين الخاصة ووضع السياسات المناسبة لتعزيز أداء هذه الأجهزة، وتحقيق الشفافية الكافية في عملها وتأكيد المساءلة المحاسبية لمصلحة المواطن، وتعزيز مبدأ المساواة في التعامل مع جميع القضايا المتعلقة بالفساد، سواء كانت الجهة المراد محاسبتها حكومية أو غيرها، بعيداً عن الموالاة الحزبية والمصالح الفردية، ما يوفر أدوات مناسبة لمكافحة الفساد، فالعمل بمبدأ الشفافية في جميع مرافق ومؤسسات الدولة تحت جهاز قوي ووطني، يضع مصلحة البلد فوق كل الاعتبارات، هو الخطوة الجدّية نحو التصدي لهذه الآفة.
مكافحة الفساد الإداري والمالي لا يمكن أن تتحقق من خلال حلول جزئية هزيلة، يطبق منها بند واحد هو إعلان مكافحة هذا الفساد فقط، وتتوقف بعده جميع إجراءات مكافحة هذه الآفة.
ينبغي أن تكون محاربة الفساد شاملة، تتناول جميع مرتكزات الإدارة الحكومية والمدنية من بنيتها وهيكليتها إلى العنصر البشري العامل فيها، إلى أساليب العمل السائدة فيها ومراقبة إجراء عمل الأفراد داخل المؤسسات ومتابعة نشاطاتهم، كما يتم وضع أسس لعملية مراجعات المواطن لأي مؤسسة لمنع تفشي الرشوة، التي تعتبر من أوسع أوجه الفساد انتشاراً، فالمؤسسات البسيطة بأفرادها هي نواة الدولة.
أهم عوامل القضاء على الفساد يكمن في إنهاء العمل بصفة المحاصصة، وتغليب مصالح الحزب والأقارب والأصدقاء على مصلحة الدولة، هذه المحاصصة التي أنتجت كماً كبيراً من الأشخاص غير الأكفاء الذين تسنّموا مناصب تنفيذية، أرجعت البلد أكثر من قرن إلى الوراء بسبب عدم قدرتهم على إدارة مناصبهم، كذلك اهتمامهم بجمع أكبر قدر من المال لأحزابهم وأنفسهم خلال فترة توليهم المنصب. لذا لا يمكن القبول بأي حل ترقيعي للمرض المتفشي في جميع مفاصل المجتمع، الحكومي منه والمدني، وهذا يعني غياب القانون والمواطنة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أيضاً، إنّ أهم الأمور التي يجب الاهتمام الجدّي والانشغال الحقيقي بها، هو قضية الاقتصاد، لما يشكله من متغير في تحريك التنمية للبنى التحتية وتحريك مجالات العمل الأخرى، وعدم الاعتماد على النفط وحده بل إيجاد مصادر وبدائل اقتصادية أُخرى مثل تفعيل الصناعة المحلية، وإعادة ترميم الأماكن الأثرية والمعابد والضرائح والابتعاد عن العنصرية الدينية، وإعطاء الفرص وتسهيلها أمام القطاع الخاص الإنتاجي والعمل على إعطاء أولوية العمل لرؤوس الأموال في البلد، وعدم هجرتها ما يحدّ من البطالة والابتعاد عن الخصخصة، وعدم اللجوء إلى جلب رؤوس الأموال الخارجية التي بدورها تعتبر استثماراً طارداً للعملة الصعبة من الدولار واليورو، على أن تكون هذه الاستثمارات إنتاجية لا استهلاكية، وتحديد الاستثمارات الخارجية بما يتعذر على المستثمر المحلي القيام به. أي يجب العمل على بناء وتربية الأجيال على أسس الثقافة الوطنية الصحيحة، فالتربية هي تنمية وتطوير المهارات والقدرات وفق أسس علمية منهجية مدروسة، وتشمل الفرد والمجتمع وفق مسارين متلازمين.

إعجاب تحميل...