مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عزيز أشيبان (المغرب)

يفر المواطن العربي إلى الطوباوية تعبيراً عن رفض الواقع، لكن بدون سلاح محلي يمكنه من الممانعة والمقاومة. والطوباوية والشعبوية والرداءة والعبث والسلبية.. مشتقات لا متناهية، تولد من رحم الانحطاط وموجات الارتداد والإفلاس الشامل والعجز عن الإبداع.

غنية مظاهر الطوباوية في المجتمع العربي، وتتجذر بقوة في سلوكنا، الفردي والجماعي، حتى وقع انفصام شبه تام بين ما نصبو إليه من نهضة وتقدم، وما نئن تحته من لهيب الواقع المرير. 

تاريخياً، الحديث عن الطوباوية ليس جديداً، إذ يظهر كلما ساد الإفلاس واليأس والإخفاق وقلة الحيلة. وتقترن الطوباوية بالمثالية في تقدير الأشياء وتغليبها على الواقعية وعدم مطابقة المتوخى للموجود، وتميل إلى الاختزال والجزم، أكثر منه إلى رؤية الواقع على حقيقته بالتفكيك والتمحيص والنقد الفعال.
على سبيل المثال، هناك من يحلم بالدولة الإسلامية والخلافة، ويتجاهل المسار الطبيعي لقيام الدولة بمؤسساتها كثقافة تترسخ في الوعي الجماعي عقودا، ويتناسى الحاجة الملحة إلى مشروع حقيقي، يستحضر جيدا إكراهات الحاضر وتحديات المستقبل. هناك من ينادي بالعلمانية في بيئة غريبة عنها، ويختزلها في عملية نقل تجربة غربية من بيئتها الأصلية إلى بيئة أخرى من دون مراعاة للخصوصية الثقافية للبلد المستقبل، فالدعاء لهزيمة المشروع الصهيوني بالدعاء وحده والتواكل هو تملص من المسؤولية وواجب المقاومة والجهاد.
تتسيد الطوباوية عندما تجتمع عوامل بروز متعددة تختلف وتتداخل بين الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، غير أن العامل النفسي يتموقع في صلب جميع المستويات.
على المستوى الفردي، هناك نزعة إلى الهروب من الواقع، وإبداء الجبن في مواجهته لغياب الشجاعة في تقبل الحقيقة التي تكتسي دوما طابعا ثوريا مؤلما، غالبا ما يزلزل ما نؤمن به من يقينيات، ولا نقبل حتى على إبداء النقد للذات ومساءلتها. كما أن النفس البشرية تنحو نحو السهل المتاح، عوض مشقة مكابدة الصعب الشديد، ولا تبدي استعدادا للتحدّي إلا إذا كانت موضوعا لعملية ترويض قبلية، إذ جبلت بطبيعتها الفطرية على نفور وتجنب مشاكسة الصعاب ومجابهة الأزمات.
على المستوى الجماعي، نفتقد ثقافة العقلانية التي لم تتجذر في الوعي الفردي، كقيمة وآلية لمقاربة الأمور وبناء الأفكار باعتبار المخيال الاجتماعي القوي الذي يشكل بقوة طريقة التفكير الفردي، ويكرس البنيات الفكرية المؤسسة على المقدس من الأفكار والقناعات داخل البيئة العربية وقصور التربية الأسرية والنظامية عن تشكيل اللبنة الأولى لفكر عقلاني فعال. معظمنا يسبح في المثالية، ويشتغل تحت وصاية العاطفة التي غالبا ما تغيّب العقل والحكمة، وتنساق تحت نعرات الانتماء العرقي أو القبلي الضيق.
وهناك أيضا، طغيان العقلية الفقهية على نظيرتها العلمية، إذ عوض الإقبال على توخي الأسباب والسبل لإيجاد الحلول العملية، يتم اللجوء إلى التواكل بالبحث عن أصل كل مشكل في واقعةٍ من الإرث الفقهي. تنضاف إلى ما سبق المبالغة في الانكباب على الفكر النظري، وتهميش الفكر العملي لعدم القدرة على فهم قوة الطبيعة والعجز على إقامة علاقة إيجابية مع الماديات.
نعاني، كما هو معلوم، من توالي الانكسارات والخيبات وتراكمها، ما أدى إلى شيوع الإحساس بالهوان والوهن والخدش المتكرر لكرامة الجسم العربي، فينحو غالبا نحو استحضار الحنين إلى السنوات الخوالد من الرقي والتقدم من حياة الأجداد والافتخار بإرثهم الذي لم يستغل، وتم الانفصال عنه بإعدام الاجتهاد والإصلاح. تتعمق هذه الحالة النفسية المنكسرة بغرائز الخوف وفقدان الثقة في النفس وعدم الاستقرار، فيسود على مستوى الجماعة الشعور بالضياع، وتفتقد الرؤية والأمل في غد أفضل، ولذلك يفر المواطن العربي إلى الطوباوية تعبيرا عن رفض الواقع والتنديد بالغزو الخارجي بأسلحته الثقافية والاقتصادية والسياسية والتمرد عليه، لكن بدون سلاح محلي، يمكنه من الممانعة والمقاومة.
الطوباوية والشعبوية والرداءة والعبث والسلبية.. مشتقات لا متناهية، تولد من رحم الانحطاط وموجات الارتداد والإفلاس الشامل والعجز عن الإبداع.

إعجاب تحميل...