بالإضافة إلى نسب الطلاق المُرعبة، وأغلبها لأسبابٍ تافهة وخيانات سببُها مواقع التواصل الاجتماعي، هنا يُمكننا أن نفهَم الفرق الكبير بين عصرنا وعصر أجدادِنا حيث كان من العيب ومن النَّادر أن يطلِّق رجل زوجته، فقد كانوا يفهمون معنى الأسرة ومعنى التربية، ويعيشون بالمودة والرحمة، وليس بخيال الشهوة التي يُطلق عليها الحب، والتي ما تلبث أن تنطفئ وتبحث عن جسدٍ آخر.

إنها هستيريا تُخرِج الفرد من شهوةٍ إلى شهوة ومن رغبةٍ إلى رغبة، ومن جنونٍ إلى جنون.!

نعم نحن الآن ربما نضحك على أجدادنا لأنَّهم لا يفهمون الكثير مما نقول وأننا عصر التحضُّر والتمدن، ولكن الحقيقة المرة هي أنَّهم في كثير من الأحيان لا يفهمون الكثير ممَّا نقول أيضا لأننا نبدو كالقرود بالنِّسبة لهم!.

ومن ناحيةٍ أخرى أصبح إنسان العصر الحديث كالزومبي، عيناه ملتصقتين بشاشة هاتفه أو حاسوبه طول النهار، حتى تعطَّل عقله عن التفكير، فأقصى ما يستطيع فعله هو عمل (scroll) للشاشة، وتصديق أي خبر وأي افتراء وأي هراء ونشره بسرعة البرق. ويتفنّن في تضييع الوقت بشكلٍ إبداعي.

ثم لا ننسى ظهور أعداء جدُد لم يعهدهم أجدادنا في القديم: القلق، الإكتئاب، الضغط النفسي، التوتر، الإجهاد.. وهذا كله بسبب هذا العصر المادي والتهافت حول الإقتناء من أجل الإقتناء والتباهي وليس من أجلِ الحاجة كما كان قديماً، وأصبح الإنسان ما إن يمتلك شيئا حتى يطلُب غيره، وهنا انتشرت لعبة المقارنة بين الناس، فالناس في القديم، لا يفكِّرون في المستقبل بالطريقة التي نفكِّر بها فيه لدرجة أنَّنا نسينا الحاضر، فتجد أجدادنا يسيقظون باكرا، وهم يعلمون بالفعل ما سيفعلونه ذلك اليوم وهم مُرتاحون نفسياً تجاه حياهم البسيطة، البعيدة في أغلب الأحيان عن المقارنة.

فالبؤس موجود والتعاسة مازالت هي القاعدة والشكوى مستمرة على جميع المستويات.. تشهد بذلك أعمدة الصحف والأغاني والكتب والأخبار ووجوه الناس المتجهمة في الشارع ومشاكسَاتهم الدائمة وضيقهم حول كلّ شيء.

يقول الدكتور عبد الكريم بكار: “كان الناس في الماضي يعيشون ويربون وينتجون في بيئاتٍ مغلقة ووفق نماذِج محدودة ومحددة ممَّا يجعل التفلت القيمي والأخلاقي محدودا ومما يجعلُ التطور على كلِّ الصُّعد بطيئا، لكن قد انتهى اليوم وربما إلى غير رجعة، ومن هنا فإن من المتوقع أن تواجه الأسرة المسلمة كلّ المخاطر والتحديات التي واجهَتها الأسرة في الغرب والشرق، وقد استطاعت العولمة توحيد المزاج العالمي إلى حدٍّ بعيد، وهو مزاج يقوم على الإنفتاح على المتعة والشهوة واللهو والخصوصية ومراعاة المصالح الشخصية إلى جانب الإنغماس الكبير في المادي والدنيوي، وزحزحة الإقبال على الآخرة وكثير من الرمزيات الدينية والقيمة عن بؤرة الشُّعور ومحاور الاهتمام، وهذا كله يجعل احتفاظ الأسرة المسلمة باتجاهها وقيمها وأسلوب عيشها وتربيتها أمرا في غاية الصُّعوبة.

ومع زيادة حالات الطلاق والإدمان والانخراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى حدِّ الهوس والذهول عن كلِّ الاشياء. لم يحدث في التاريخ أن شرّع نظام ما، تحليل المثلية، واعتبار الإنسان قردا، يشبع غريزته فقط، وبهذا نزل الإنسان فعلا إلى الحضيض رغم كلّ ما قدّمه، فهذا يعتبر هدما للأسرة، والمجتمع على حدٍّ سواء، فالإنسان ليس حيوانا كسائر الحيوانات، وإنما ميّزه الله بعقل، ليؤدي وظيفته التي خلق من أجلها، أو على الأقلّ، أن يستخدم عقله ويستنتج أنه ليس قرداً !

لم يحدُث في التاريخ ان انتشَر التبغ والكوكايين والهروين وعقاقير الهلوسة والخمور بأنواعها، والأسلِحة السريعة بشتى أصنافها، كالبندقية والمسدس، لدرجة أنه في أمريكا يمكنك أن تقتل من تشاء، أينما تشاء، وقتما تشاء، ثم تأتي بمحامٍ متمكِّن ليقنِع القاضي بأنَّك مريض نفسيا، ليكون احتمال إعدامك هو 1 بالمائة وربما تدفع غرامة بسيطة وتخرج !!

صدقوني إنه لأمر مخجلٌ ما آلت إليه البشرية في هذا العصر فعلا.

والسؤال الآن هو: ما السبب في ذلك! إنّه خراب القلوب من الله. يبدو أنَّ الإنسان ترقّى وتحضّر ماديا، ونزل إلى الحضيض روحياً، ونفسياً، وأخلاقياً. فالحضارة الحديثة مقطوعة العلاقة بالله، فبعد أن تخبَّطت بالاشتراكية والشيوعية، والرأسمالية، لا تزال إلى الآن لم تجد طريقها بعد وهي أيلةٌ إلى الزوال. لتنتظر أن يتمّ قيادتُها بالمنهج الرّباني السّوي إلى برّ الأمان (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).