رغم اليقين الكامل لدى الشعوب العربية بأن أنظمتها السياسية وحكوماتها في حالة تطبيع خفية مع إسرائيل، إلا أنها لم تكن لتتصور أن تصبح اللقاءات السرية بين المسئولين من هنا وهناك على الملأ وبدون خجل أو حياء.

كلنا نعرف أن مصر والأردن هما الدولتان العربيتان اللتان تمتلكان علاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيتي سلام، ورغم ذلك راعت الأنظمة المتعاقبة، وتحديدًا في مصر، مسألة الرفض الشعبي للكيان الإسرائيلي، حتى إن الرئيس الأسبق حسني مبارك لم يسافر يومًا إلى تل أبيب، وأكد في جميع لقاءاته على حق الفلسطينيين في أرضهم، واستنكر ما تقوم به إسرائيل من تعنت لإفشال عملية السلام.

في وقتنا الراهن انقلبت الأمور رأسًا على عقب، والتطبيع لم يعد مقصورًا على القاهرة وعماّن، لكنه امتد ليشمل الخليج أيضًا، ناهيك عن العلاقات المتميزة بين إسرائيل والمغرب والممتدة منذ سنين طويلة، حتى إن بعض التقارير والروايات قالت: إن ملك المغرب الحسن الثاني كان يتجسس على القمم العربية في بلاده لصالح الموساد الإسرائيلي!

هذا الأسبوع حققت إسرائيل قفزة نوعية في علاقاتها مع الدول العربية، وأخرجت لسانها لرافضي التطبيع العرب ولقوى المقاومة، وبعثت لهم برسالة أن (اخبطوا دماغكم في الحيط).. ففي أبوظبي فريق الجودو الإسرائيلي، وفي الدوحة فريق الجمباز الإسرائيلي، وفي سلطنة عمان الطامة الكبرى، زيارة لبنيامين نتنياهو التقى خلالها السلطان قابوس.

الأدهى هو حالة التراشق الخليجي بين مغردي السعودية من ناحية ونشطاء من قطر وعُمان من ناحية أخرى، السعوديون يفتخرون ويباهون بأنهم الدولة العربية التي لا علاقات لها بإسرائيل ولا تستقبلهم ولا تقيم سفارة لها بتل أبيب، المشكلة أنهم نسوا أو تناسوا ما تردد عن زيارات سرية لمسئولين سعوديين كبار إلى تل أبيب، إلى جانب التقارير الواردة أيضًا عن دور المملكة ومعها مصر السيسي وأبوظبي في دعم صفقة القرن التي يرعاها ترامب..

في السابق كان العرب يشجبون ويستنكرون، وهذا أضعف الإيمان، أما الأن فالشجب والاستنكار للجرائم التي يرتكبها جنود الاحتلال بحق الفلسطينيين أصبح باهتًا أكثر ومثيرًا للشفقة والسخرية الشعبية أكثر وأكثر.. القدس كاملة أضحت عاصمة لإسرائيل والرد العربي على ذلك، هو مزيد ومزيد من التطبيع.

البعض يبرر للدوحة وأبوظبي مشاركة الفرق الرياضية الإسرائيلية بحجة أن تلك بطولات دولية ولا يمكن خلطها بالسياسة أو بالمواقف تجاه القضية الفلسطينية، ويستدلون بالمواقف القطرية الكثيرة لنصرة الشعب الفلسطيني وتخفيف وطأة المعاناة عن قطاع غزة، لكن غير المبرر هو ما أقدمت عليه سلطنة عمان تحديدًا.

وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، خرج متعجبًا من رافضي التطبيع، وأعلن بكل بجاحة أن إسرائيل دولة في الشرق الأوسط وأنه يتمنى نجاح صفقة القرن.. الغريب أنه بعد ساعات قليلة من مغادرة نتنياهو لمسقط، بدأت إسرائيل قصفًا داميًا على قطاع غزة!

هو إذًا وهم السلام ذلك الذي تدعيه سلطنة عمان، فالإسرائيليون الأن لن يعطوا الشعب الفلسطيني حقه في الأرض أو في إقامة دولته، ولن يمنحوا اللاجئين حق العودة، ولن يوقفوا بناء المستوطنات.. الإسرائيليون الآن أقوى من كل الأنظمة العربية، والعرب مرتعشون، خائفون على كراسيهم وعروشهم.. يعلمون أن الأمر بيد أمريكا وإسرائيل، وأن التطبيع هو وسيلة نجاتهم الوحيدة.. حالة انبطاح عربية جديدة، وهذه المرة أكثر وطأة.. فهي تكشف عن عداء عربي عربي، وعن ضعف عربي غير مسبوق، وعن تبدل وتحول في المفاهيم.. فالفلسطينيون باعوا أرضهم لليهود هكذا يردد بعض العرب، وحماس إرهابية، هكذا يردد آخرون، واليهود أولاد عم وإسرائيل أمر واقع و… إلخ.

كل ذلك يدفعنا إلى نتيجة واحدة.. القضية الفلسطينية ماتت ودفنت وأكلها الدود.. والفلسطينيون اليوم يقفون وحدهم في مواجهة ليس إسرائيل فحسب، بل الضغوط من بعض العرب العازمين على إتمام صفقة القرن المشبوهة، حتى وإن انتقصت من حقوق الفلسطينيين المسلوبة أصلًا.. بؤس.