تجاذبت وأخي عبد الله أطراف الحديث، حلقنا عاليًا في سماء الفكر والسياسة باحثين عن الحقيقة.. الحقيقة التي أكدت دائمًا أنّها تخرج فقط من مشكاة الكتاب والسنّة.

وطبعًا كانت النوايا الطيبة حاضرة على طول هذا النقاش الفكري الهادئ، ففي النهاية نحن إخوة تجمعنا رابطة الإيمان بلا إله إلا الله محمد رسول الله رغم الاختلاف.

بدأ عبد الله بسؤالي: هل عندك مشكلة شخصية مع أوردغان؟

أنا: لا.

عبد الله: إذًا فلِمَ تنتقده دائمًا!

أنا: هل الخمرة حرام؟

عبد الله: طبعًا.

أنا: حتى لو شربها أبوك؟

عبد الله: طبعًا طبعًا.

أنا: إذا لماذا تعيب عليّ بيان حرمة الشرب من خمرة العلمانية والديمقراطية والانبهار بهما. أنا لا أنتقد أوردوغان، وإنما أمرني الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أمر كل مسلم ومسلمة أن أدعو إلى الخير وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران 104). والحكم بغير ما أنزل الله (أي بالنظام العلماني الديمقراطي الجمهوري سواء الرئاسي أو البرلماني) منكر وأي منكر، وجب تنبيه الغافلين منه وإعلام الحائرين بأنّ إعادة الحكم بالإسلام كاملا في ظلّ دولة من أعظم واجبات هذا الدين.

ثم فرض على كل مسلم ومسلمة الإنكار على الحاكم الذي يحكم بالكتاب والسنّة إذا حاد عن الإسلام ولو قليلًا. فما بالك بحاكم لا يحكم بما أنزل الله! بحاكم سمح أن تكون بلاده مرتعًا ومنطلقًا لطائرات الأعداء تُلقي بحممها على نسائنا وأطفالنا وتُحوّل ليلهم الهادئ إلى كابوس مرعب يعيشونه كل يوم!

عبد الله: الباقون أفضل؟!

أنا: طبعًا لا، ولكن عمالتهم وخضوعهم للأعداء بات واضحًا لكل عاقل. أما رجالات النظام التركي، وعلى رأسهم هو، فما زالوا يُقدَّمون على أنهم أصحاب مرجعية ومشروع إسلامي فوجب بيان زيف هذا الإدّعاء وتحطيم هذا الصنم الذي بات يعبده الكثيرون!

عبد الله: ولكنهم حقًا أصحاب مرجعية ومشروع إسلامي وملتزمون بالإسلام!

أنا: أخي عبد الله، أولًا هو نفسه (أي أوردغان) لم يُصرّح بهذا، بل للمفارقة صرّح بعكسه تمامًا، فهو يقول أنه يفصل بين التزامه الشخصي وبين كونه رئيس الدولة التركية التي تقوم على النظام الجمهوري العلماني، بل أقسم بالحفاظ عليه!

ثم إنّ الملتزم في هذه الحالة ليس هو الذي يصلي ويصوم ويزكي ويعتمر ويحج البيت فقط، إنما هو من جميع أفعاله وأقواله ومواقفه أيضًا مقيدة بالأحكام الشرعية. حتى صمته يجب أن يكون مقيدًا بالإسلام! فإنْ كان زوجًا عامل زوجته وفق الإسلام، وإنْ كان حاكمًا حكم بالإسلام!

الآن، هل هكذا هم حكامنا في العالم الإسلامي كله! طبعًا لا.

عبد الله: لكن لا بدّ أن تصدر من المسلم الملتزم فلتات أحيانًا.

أنا: هذا أكيد، فنحن مجبولون على الخطأ والتوبة منه، ولكن الأمر تعدى مرحلة الفلتات أخي الكريم، أم أنك ترى جريمة الحكم بغير ما أنزل الله فلتة! وأنّ التنسيق مع أعداء الأمة فلتة أيضًا!

عبد الله: ولكن هذا حد استطاعته الآن وهو أفضل من غيره على كل حال.

أنا: عظيم، حد الاستطاعة والأفضلية وغيرها مما يُطرح على الساحة اليوم كمبرر لأفعال بعض الحكام، هذه أيضًا مصطلحات يجب أن نفهمها على ضوء الكتاب والسنّة وما فيهما من أحكام متعلقة بها. وليس وفق تقديرات العقل (المُنضبع) بضغوطات الواقع الحالي والمصلحة التي يُمليها العقل البشري العاجز المحدود!

عبد الله: ماذا تقصد؟

أنا: بالمثال يتضح المقال، عن أبي هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏‏يأتي على الناس زمان يُخيّر فيه الرجل بين العجز والفجور فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور‏”‏ (رواه أحمد). وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. (سنن أبي داوود).

على ضوء هذين الحديثين وغيرها الكثير من النصوص الشرعية وضع علماء الأمة السابقين (منهم صحابة وتابعون) قواعد شرعية متعلقة بالأفراد والجماعات والحُكام. سار عليها الأولون والآخرون حتى زماننا العجيب هذا. فهذا سيدي أبو بكر الصديق رضي الله عنه يُحارب غالبية أهل الجزيرة العربية بعد وفاة الحبيب – صلى الله عليه وسلم – لمّا منعوا زكاة مالهم، واعتبر فعلهم هذا ردّة عن الإسلام. ولم يفتنه عن حربهم يومها وإعادة الحقّ إلى نصابه ضغط الواقع الذي كان يصرخ عاليًا: لا طاقة لك بقتالهم الآن يا أبا بكر!

ولم يُقم أي اعتبار كذلك للمصالح المادية المتحققة في تأجيل حربه عليهم، أو ربما التحالف مع بعضهم على البعض الآخر أو الارتماء في أحضان أحد أقطاب العالم آنذاك (الفرس والروم) حفظًا للدولة الإسلامية الأولى من الهلاك! إنما جعل مصلحة واحدة هي المعتبرة عنده المصلحة الشرعية، وقال مقالته الشهيرة: لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لجاهدتهم عليه، أي لو أعطوني البعير ومنعوني ما يُربط به لجاهدتهم عليه، مؤكدًا أنّ تتبع الحقّ لا يجب أن يعترضه شيء.

عبد الله: على الأقل الرئيس أوردغان حقّق مكتسبات جيدة للمسلمين في تركيا، فالمحجبات بِتْنَ يتنقلنّ بكل سهولة في الشوارع والمرافق العامة، والمساجد شامخة ويزيد عددها كل يوم، ودور تحفيظ القرآن والحفظة يملأون البلاد و…

أنا: أحدثك أخي الكريم عن تحكيم الإسلام كاملًا وتذكُرُ لي بعض المكتسبات، التي باستئناف الحياة الإسلامية في دولة قريبًا بإذن الله ستكون وغيرها الكثير طبيعية جدًا، لا أمرًا نستجديه بقلق! ومع هذا فرحت كثيرًا بفشل محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا؛ لأنه كان سيودي بحياة كثير من الأبرياء وسيقضي على جميع هذه المكتسبات التي اعتبرها متنفسًا مباركًا لا يجب التفريط به لصالح حكم العسكر صاحب التاريخ الأسود هناك.

عبد الله: طيب، ما الحل برأيك؟

أنا: ليس رأيي المهم، إنما رأي الشرع. وهو أن تكون جزءا من العمل لاستئناف الحياة الإسلامية عن طريق إقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية الحقيقية على منهاج النبوة، أو مساهمًا فيه قدر استطاعتك. ففي مثل هذه الأيام من السنة العاشرة للبعثة بدأ الحبيب صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل طالبًا الإيواء والنصرة، بعد مسيرة دعوية مباركة وطويلة من الصراع الفكري والكفاح السياسي في مكة، لاقى فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم وكتلته من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أشدّ أنواع الأذى والتعذيب، كما أنّ مساومة كفار قريش لهم على مبدئهم كانت حاضرة على طول هذا الطريق، والذي أعانهم على صدّها وعدم الرضوخ ولو لبعضها وقطع الطريق كاملًا حتى ظفروا بالإيواء والنصرة في المدينة وأقاموا الدولة الإسلامية الأولى هناك، الذي أعانهم على هذا إيمانهم العظيم بالله تعالى واللجوء إليه فقط، والسير على خطا الحبيب – صلى الله عليه وسلم – حذو القذة بالقذة، موقنين أن النصر صبر ساعة وأن انبلاج الصبح يكون بعد أشدّ ساعات الليل حلكة، فهو وعد الله سبحانه وبشرى رسوله – صلى الله عليه وسلم – فيا سعد من كان تحقّق البشرى على يديه.

أخي الكريم، يجب أن تعلم أنّ نزول الشعب التركي المسلم الى الميادين والشوارع يوم محاولة الإنقلاب الفاشلة قبل عامين، وتكبيراتهم المُعلنة رفضهم العودة الى حكم الجنرالات والعسكر، ودعمهم لرئيسهم المنتخب، كان خير دليل على حبهم للإسلام. كيف؟ كلّنا نعلم أن الشعب التركي بغالبيته اختار أوردغان لظنّهم أنّ الأخير يحمل مشروعًا إسلاميًا، ولست هنا بصدد مناقشة صدق إسلامية أوردغان وحزبه من جديد.

كذلك الأمر على صعيد الأمة الإسلامية، فما أجمل اجتماع أمّة محمد – صلى الله عليه وسلم – ليلتها على همّ واحد، رغم الحدود والسدود، رغم الوطنيات والقوميات البغيضة التي تحاول تفريقهم، رغم كل هذا شاهدنا ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة أمّة واحدة تلهج بالدعاء لحقن دماء المسلمين والحفاظ على المكتسبات التي يعتبرونها في صالح الإسلام والدعوة إليه في تركيا.

اعلم يقينًا أخي أنّ الغرب ناقم علينا ويكيد لتركيا ودينها، بل للأمة كلها، ولن يقبل حتى بنصف إسلام! والله سبحانه هو حصن المخلصين، فلنلجأ إليه بصدق.

فإننا نمر بمرحلة ضبابية، ولكن سيستقر قريبًا إن شاء الله في نفوس أبناء الأمة من جميع الجماعات والبلاد مطلب واحد: أمّة واحدة، دولة واحدة، راية واحدة، شعارها الله أكبر.

عبد الله: اللهم آمين.