يتحدث الإخواني المنشق هيثم أبو خليل في كتابه (إخوان إصلاحيون) عن لقائه مع خيرت الشاطر بعد خروجه من السجن في قضية سلسبيل: وفي الطريق ظل الشاطر يحدثنا عن قضية سلسبيل وعن ضباط أمن الدولة وأنهم اﻵن أفضل من عهد عبد الناصر، حيث إنهم اﻵن يعملون من أجل المزايا المادية والوجاهة الاجتماعية في حين كانوا في عهد ناصر يعملون عن عقيدة إجرامية تكره الدين وتعمل لتجريف مصر من التيار الإسلامي، وحدثنا عن خروجه من قضية سلسبيل والبكاء الشديد للسجانين والمخبرين نتيجة الإفراج عنه؛ لأنهم سيحرمون من العطايا والميزات التي كان يعطيها لهم.

في تقديري يجيب هذا المقطع عن الأسئلة

لماذا وكيف ومتى سقط الإخوان؟

ففي هذا المقطع يتحدث خيرت الشاطر بعقلية التاجر الذي يستطيع ببعض المال شراء الأتباع والذمم وهذه هي نفس عقلية ساويرس حين تكلم عن الفارق بين العامل المصري واللبناني في فيديو شهير له يقول فيه: إن (اللبناني أكثر تميزًا؛ لو شممته رائحة الدولار هيتشقلب قدامك).

عقلية رجل الأعمال الذي يرى كل شيء قابل للبيع والشراء حتى المبادئ، هذه العقلية التي أبدعت مفهوم التجارة مع الله، فالإخوان المسلمون لا يتاجرون بالدين، ولكنهم حولوا دينهم إلي تجارة، بداية من التجارة مع الله، وصولًا الى التجارة مع الفقراء لكسب أصواتهم.

هذه العقلية الحسابية المتردده الجبانة التي تعبر عن البرجوازية الصغيرة التي تكره المغامرات غير المحسوبة وتقلقها بشدة فكرة الثورة، فالثورة إعادة نظر في كل شيء وهي أكبر مغامرة للعقل البشري، وبالتالي لا يتقبلها سوى من هو على استعداد لفقدان كل شيء أو من لا يكون لديه شيء ليخسره.

هذه العقلية التي لم تر في قواعدها سوى قطع شطرنج على رقعه واسعة مع منافس آخر أو عدة منافسين، ولن يضيرها التضحية ببعضهم لتحقيق النصر فهم بمنطق ما عمال لديها، ولكن أجرهم عند الله.

وأخيرًا فهذه العقلية لا تري في الجماهير سوي جماعات من الدهماء غير الموثوق بهم وهم في أفضل الأحوال أصوات انتخابية وفقط.

بهذه العقلية أدار مكتب الإرشاد معركته مع النظام (القديم/الجديد) محافظًا على قواعد اللعبة القديمة التي اعتادها أيام مبارك.

فخلافهم مع مبارك كان حول عدد المقاعد بالبرلمان، إذًا ليكن خلافا مع العسكري حول عدد المقاعد بهذا البرلمان، وليس مدى ما يمثله هذا البرلمان للثورة.

هذا البرلمان الذي كانت ورقة حله في درج مكتب الجنزوري، وبالتالي رفضوا أي مغامرات ثورية غير محسوبة تخرج قطارهم عن مساره المرسوم في عقولهم البرجوازية الصغيرة الضيقة وبدأوا في الدفع بكل قوتهم في اتجاه الحفاظ على قواعد اللعبة كما هي برلمان وحكومة ورئيس.

فاستخدموا قواعدهم الضخمة أسوأ استخدام لتشويه مخالفيهم بينما كانوا يتفاوضون في الغرف المغلقة مع منافسيهم بكل ود حول تقسيم السلطة.

تدريجيًا شعرت الجماهير ليس فقط أن أحمد زي الحاج أحمد، بل الأخطر أن وصلها الشعور بمدي الاحتقار الذي يكنه لها قيادات هذا التنظيم الهرمي بالممارسة  فنفرت منه.

وعندما وصل للقواعد ما تشعر به هذه الجماهير وحاولت نقله للقيادة فزجت بهم هذه القيادة في معارك افتراضية للدفاع عن الإسلام وأخذتهم العزة بالإثم.

وعندما شعر المنافسون، المستمرون في تنظيم أنفسهم استعداداً لسنوح الفرصة بدنو أجلهم الأكيد قالوا: بيدي لا بيد عمرو.

فبدلًا عن أن تسقطه الجماهير غدًا وتخلق سلطتها الشعبية فلنسقطه نحن اليوم ونحل محله. فهؤلاء أيضًا لا يريدونها سوي مغامرة محسوبة تتحرك فيها القطع دون إطاحة بقواعد اللعبة والرقعه كاملة.

وهكذا سقط الإخوان بين مطرقة كبار رجال الجيش والدول أصحاب المصالح في استمرار الوضع الطبقي، وسندان التطلعات الجماهيرية الكبيرة بعد الثورة.

وهكذا بينما كان تنظيم الإخوان، الذي اختار خوض معاركه بالتحايل كعادة البرجوازية الصغيرة، يفارق قواعده الجماهيرية والتنظيمية، كان منافسوه هؤلاء عبر إعلامهم وقواعدهم داخل الدولة وخارجها  يعرقلون من الأداء ويسرعون من التفاعل في الخفاء، ثم يغسلون أيديهم من أفعالهم على شاشاتهم في العلن ليحملوا الإخوان حساب الفاتورة كاملة.

اندفع المنافسون لملأ الفراغ الذي يتركه خلفه أو بالأحرى أسفل منه تنظيم الإخوان المسلمون مستعينين برموز إصلاحية هي في الحقيقة النيجاتيف لقيادات تنظيم الإخوان بنفس العقلية والرؤية الإصلاحية التي تخشى المغامرة.

وفي ظل غياب أي بدائل ثورية جماهيرية برؤية واضحة نتيجة للفشل الذريع للقيادات الراديكالية في الوصول للجماهير لخلق كيانات منظمة، وسيادة الرؤية الشعبوية الساذجة الشعب هو المعلم والقائد بين قياداته.

وفي ظل إشراف مخابراتي وإنفاق مالي ودعائي غير مسبوق على حملات تمرد بالقاهرة والمحافظات حدد المنافسون ساعة الصفر للجماهير في 30 يونيو (حزيران) فهم يريدون جماهير هادئة محسوبة الحركة وتحت السيطرة الكاملة لهم، وفشلت التيارات الجذرية في اختيار موقف سليم نظرًا للخلل في رؤية ميزان القوى على الأرض، وغياب المعلومات والرؤية النظرية وسيادة النزعة الشعبوية بين قياداته؛ ليسقط الإخوان بعد ثلاثة خطابات هزلية لرئيسهم الذي كان دمية في يد الجميع.

نعم كان الدفاع عن الشرعية الدستورية في هذه اللحظات شديدة السيولة هزليًا وكان القرار السليم هو تقديم تنازلات للشعب لقطع الطريق على العسكر ومن يواليهم، ولكن يظل سقوط الإخوان الحقيقي كان في اللحظة التي قاوموا فيها المسار الثوري، ودفعوا في اتجاه المسار البرلماني وإعادة إنتاج الدولة مكشوفة العظام والأعصاب والدفاع عنها حتى إعادة بنائها.

ولكن هذا السقوط استغرق وقتًا استطاعت خلاله الثورة المضادة إعادة تنظيم صفوفها وتحقيق النصر في 30 يونيو، ثم الانقلاب الكامل في 3 يوليو، كما يظل الفشل الذريع لليسار الراديكالي في الوصول للجماهير وخلق تنظيماته الخاصة هو سبب تبني الجماهير لخطاب الدولة والهزيمة الكاملة.