على فترات متباعدة طيلة خمس سنوات مضت من عمر الانقلاب العسكري في مصر، تُطالعنا الأذرع الإعلامية للمُنقلب عبدالفتاح السيسي بأخبار تقول إن إدارة مصلحة السجون تعرض استمارات توبة على المعتقلين لإقرارهم بعدم شرعية التنظيم المنتمين إليه، من أجل الإفراج عنهم، وتعاقب رافضي التوقيع عليها بالحبس الانفرادي، أخبار اعتدنا عليها كثيرًا منذ قدوم قائد الانقلاب إلى سدة الحكم في يونيو (حزيران) ٢٠١٤، ساعيًا للحصول على شرعية زائفة من خلال مظلومين خلف القضبان.

بداية فوجئ مؤيدي الشرعية عقب مجزرتي فَض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وعند اعتقال بعضهم أو حتى الإفراج عنهم بعد سنوات من السجن الظالم، بقيام ضباط الأمن الوطني بعرض عليهم عمل محاضر تبرؤ من جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، حتى وإن لم ينتموا إليهم، وممارسة ضغوط عدة من أجل القبول بها، وصلت للفصل من العمل والتهديد باعتقال الوالدين والزوجة والأبناء، وانتهاك أدميته خلال التعذيب والإخفاء القسري، وصولًا لسرقة الأموال ومصادرة الممتلكات، هناك من رفض ذلك، وأعُيد اعتقاله ثانية، وهناك من قام بالتوقيع عليها مجبورًا، ولا ألوم من فعلها؛ فكل منا لديه قدرته على التحمل، ولديه حساباته الشخصية، وكانت جماعة الإخوان في هذا الشأن واضحة من يفعل ذلك يتم فصله مباشرة من الجماعة، فالأمر متروك لمن يريد أن يفعل أي شيء، فلا سلطان لأحد على أحد، ولا نملك إلا تقديم النصيحة لبعضنا البعض.

استمارات التوبة كما أسموها، أو محاضر التبرؤ كما يفعلون، هي نهج انتهجته دولة العسكر مع المعتقلين في سجون عبد الفتاح السيسي، وعدد من الشخصيات العامة خشية الاعتقال والتنكيل بهم، لا أخوض الآن في مشروعيتها بقدر توصيفي لما يحدث، وقد شكل المُنقلب لجنة أسماها لجنة العفو الرئاسي لبحث الحالات المستحقة داخل السجون والجميع يعلم أنها ديكور، والمتحكم في الأمر أولًا وأخيرًا هو جهاز الأمن الوطني كعادة الدولة البوليسية، ومع ذلك خرج عدد قليل جدًا من المعتقلين في ثلاث قوائم للعفو أغلبهم تنتهي مدة حبسه بعد شهور من الإفراج عنه، إلا أنها خطوة ليست بالسيئة، فالسجن ولو ساعة واحدة كرب وغم عفا الله جميع معتقلينا منه.

ولكن دعوني أتطرق لنوعين ممن يتناولوا هذه الأخبار الصنف الأول المؤيد للتوقيع على هذه الاستمارات، ويراها فرصة جيدة للتخفيف عن كاهل المعتقلين وأسرهم، ويحمل إخوانه مسؤولية ما نحن فيه، هذا رأي لا لوم فيه وأوضحت في أعلاه أنه لا سلطان لأحد على أحد، ولكن لا مجال لمزايدات، سواء على من هو مطارد، أو حتى مهاجرًا، فالله وحده أعلم بما نعانيه في غربتنا كل ساعة، وكل يوم، ونحن نودع أحبابنا وأهلنا دون نظرة وداع، بل نعلم بوفاتهم بالتليفون ولا نملك إلا البكاء والدعاء، ربما هناك من يتفق مع هذا الرأي، ولكن هناك من أعرفهم وقعوا على هذه الاستمارات منذ سنوات ولم يخرجوا بعد، وهناك من تم إبلاغه أنه في قائمة العفو، إلا أن الله لم يأذن لهم بالحرية بعد.

أما الصنف الآخر وهو الرافض لهذا الأمر ويرى أن السجن بطولة، وأنها ضريبة لابد وأن تدفع، وأن المعتقلين ثابتون لآخر نفس، ومن يفعل ذلك خان الشهداء وأهالي المعتقلين وخذلهم، وأنا لا أستطيع أن أعيب على هذا الرأي، ولكن لابد من تصحيح للمفاهيم أبدًا السجن عمره ما كان بطولة، ولا من خرج منه فقد خان إخوانه، ولكن علينا التفكير الفعلي في وسيلة للإفراج عن هؤلاء المعتقلين، والتخفيف على أسرهم، ورفع المعانأة عن كاهلهم، ولا تقول لي نتكفل بهم ماليًا؛ فليس بالمال فقط تذوب الأحزان، ولا تفك القيود من الأيادي.

وها نحن الآن أصبحنا بين من يرى أن الأمر أصبح صعبًا، ولم يعد هناك مجال لتحمل مزيد من الآلام مع طول الوقت، وبين من يرى أن الثبات على الموقف ضرورة حتمية وواجب أخلاقي، وفي النهاية الأمر كله بيد الله، لا استمارات توبة، ولا محاضر تبرؤ، ولا رفض توقيع سينهي هذه الأزمة، وإنما بالرؤية الواضحة والعمل الجماعي والتخطيط الجيد بين أبناء الوطن تنزاح هذه الغمة بإذن الله، ويخرج المعتقلين، ونفرح جميعًا بنصر الله.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا.