لا شك في أن جماعة الإخوان المسلمين، قد انتهجت نهجًا غريبًا بعدما أضاعت الحكم الذي وصلت إليه، بعد عام واحد؛ حيث أخذ المنتمين إليها من قيادات وأفراد في توزيع التهم المعلبة على المخالفين، حتى إنه لم يسلم منهم واحد، فالشعب المصري يعشق الذل والهوان، وعلماء الأمة خانوا الله والرسول، وكل من وقف في خندق غير خندقهم صار عميلًا لأمن الدولة، كارهًا للحق وأهله، بل لقد صار عدوًا للإسلام، هكذا يفهمون!

وهكذا، لم نر مخالفًا لهم قد سلِم من تشنيعهم ونعتهم له بأبشع الألفاظ والصفات. وقد يسأل سائل: كيف لجماعة ترفع شعار الإسلام هو الحل، أن تستبيح الأمة كلها إلا من وافقهم، وهذا ليس من الإسلام في شيء؟ وإنني في هذه المقالة سوف أجيب عن هذا التساؤل حتى نقف على حقيقة منهج هؤلاء، ولا منهج لهم.

يقول العلامة أحمد شاكر، في تقريره عن شؤون التعليم والقضاء: إن حركة الشيخ حسن البنا وإخوانه المسلمين الذين قلبوا الدعوة الإسلامية إلى دعوة إجرامية هدَّامة، ينفق عليها الشيوعيون واليهود، كما نعلم ذلك علم اليقين. انتهى كلامه رحمه الله.

وأعلم أن الكثيرين سوف يعترضون على هذا الكلام، سواءً من أعضاء الجماعة أو من مؤيديها. وأقول لهم مهلًا؛ فسوف نأتي بالأدلة التي تُصَوِّب هذا الكلام الخطير، سواء فيما يخص المواطن التي يفخرون بها دائمًا، أو ما يخص منهجهم مع المخالفين، وذلك من كتابات أحد أهم قيادات الجماعة. وذلك حتى يتأكد لنا صدق ما قاله العلامة أحمد شاكر، وحتى نتعرف أيضًا على أهم سلاح لدى هؤلاء.

في كتابه التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، يقول علي عشماوي، آخر قادة التنظيم الخاص: لقد درس الإخوان جميع التنظيمات العالمية حين حاولوا بناء النظام الخاص، وقد تأثروا جدًا بالفكر الباطني في التاريخ الإسلامي، حيث كانت التنظيمات والعلوية والشيعة وما صاحبها من فِرَقٍ سرية مصدرًا أساسيًا تم الرجوع إليه ودراسته والاستنارة بالأفكار الحركية في كل تنظيم على حدة.

وفيها أيضًا كانت هناك وقفة شديدة أمام فرقة الحشاشين أتباع ابن الصباح، حيث إن قيادات الإخوان قد انبهروا من وصول الحشاشين إلى حد الإعجاز في تنفيذ آليات السمع والطاعة، وكيف كان الأفراد يسمعون ويطيعون حتى لو طُلِبَ منهم قتل أنفسهم، أما الحركات العالمية الأخرى، سواء كانت حركات إجرامية أو حركة سياسية مثل المافيا العالمية والتنظيمات الفرنسية، وأخيرًا التنظيمات الصهيونية العالمية بما لها من قوة وانضباط واتصالات بجميع القوى السياسية ومعرفة إخضاع الخصوم والسيطرة عليهم أو تصفيتهم.

ثم ينتقل عشماوي ليفجر مفاجأة مدوية فيقول: ولقد علق الأستاذ سيد قطب على ذلك فقال: إن أي تنظيم يطبع أفراده بصفته، أي بصفة التنظيم، فلو كان إجراميًا خرج الأفراد مجرمين، وإذا كان صهيونيًا خرج الأفراد معجبين بالصهيونية. وكان قطب يعلم أن قيادة التنظيم الخاص مخترقة من الأجهزة الغربية الاستعمارية وتعمل لحسابها.

ثم ينتقل علي عشماوي ليكشف عن أمر خطير لطالما تغنت جماعة الإخوان المسلمين به، ولطالما افتخرت، بل عيَّرَت به الأمة، ألا وهو الجهاد في فلسطين. فيقول: إن جميع الأعمال الكبرى التي يتفاخر بها الإخوان في تاريخهم قد تم تفريغها من نتائجها، فمثلًا حرب فلسطين التي يفخر بها الإخوان باستمرار، فإنهم لم يدخلوا إلا معارك قليلة جدًا فيها، ثم صدرتْ إليهم الأوامر من الشيخ محمد فرغلي بعدم الدخول في أية معارك بحجة أن هناك مؤامرة لتصفية المجاهدين، ولكن كان هذا مبرره في الأساس لحماية اليهود من إحدى القوى الخطيرة إذا استُعْمِلَتْ، وتم تنفيذ الأوامر وظل الإخوان في معسكرهم لا يحاربون إلى أن عادوا من فلسطين.

ثم يقول: وكان شباب الإخوان في غاية التوتر والقلق لعدم اشتراكهم في المعارك لدرجة أنهم اجتمعوا وقرروا أن الشيخ فرغلي قد خان وينبغي تصفيته، وفعلًا قرروا ذلك، لولا أن وصل الخبر إلى الشيخ فاجتمع بهم وشرح لهم الأمر، وأطلعهم على الأوامر التي صدرت إليه من القاهرة وأسبابها.

وأقول: ربما دخل السادات حرب أكتوبر دون أن يفكر في إخراجهم من السجون بسبب علمه بعمالتهم.

ويواصل علي عشماوي سرد الأحداث التاريخية الهامة، وكيف أن الجماعة كانت تحافظ على حياة الإنجليز بمقتضى العمالة، رغم إظهار العداء لهم.

وفي موضع آخر يفجر عشماوي مفاجأة أخرى فيما يخص عمالة الإخوان للمخابرات الإنجليزية فيقول: أما عن تجربتي الشخصية والتي سمعتها مباشرة من صاحب الشأن وهي أنني التقيت في عنبر بالسجن الحربي بالدكتور (م. ع. ف) رئيس مكتب إداري إحدى المحافظات الكبرى في مصر، فقال لي: إنه كان يذهب في نهاية الأسبوع دائمًا بصحبة زوجته، والتي وصفها بأنها كانت من أجمل نساء الأرض، كان يذهب كل أسبوع إلى الإسماعيلية، حيث يسهر مع الضباط الإنجليز هو وزوجته، ويقضون الليل في الرقص ولعب البريدج، وكان يقول: إن الشيء الذي يتعب شباب الإخوان هو تفكيرهم الدائم في الجهاد، وكان من السهل قيادتهم حين تحدثوا في هذا الأمر.

ويعلق عشماوي على ذلك فيقول: وهكذا نرى الضرر الفادح الذي يلحق الساذجين الذين ينتمون إلى مثل تلك التنظيمات، فهم مخلصون وقادتهم يتصرفون فيهم بلا أمان ولا رقابة، ودون أي تقوى من الله الذي يبايعون الأفراد على طاعته والالتزام بأمره، فيطيع الأفراد ويضل القادة، ويستعملون الأفراد في غير طاعة ولا خوف من الله.

وفي موضع آخر من كتابه: التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، يقول علي عشماوي: إن الإخوان المسلمين في العراق قد وقفوا مع الأمريكان، وكان مندوبوهم متعاونين للغاية في مواجهة السيطرة على مقدرات العراق، داعمين جميع خطط الأمريكان، ومن التناقض أن يقف الإخوان في مصر ضد غزو العراق، فمن نصدق؟ القادة المحليون أم قيادة الإخوان في القاهرة؟ أم أنها السياسة التي لا مبدأ لها ولا أصول، إلا البحث عن المصلحة والجري خلف السلطة.

ثم ينتقل عشماوي إلى النهج الشنيع الذي تنتهجه جماعة الإخوان المسلمين مع كل المخالفين، فيقول: بعد أن قررت الابتعاد عنهم، تتالت الفتاوى في حقي بالتكفير تارة، وبالنفاق تارة أخرى، حتى أني بعد خروجي من السجن وجدتهم قد ألفوا كتبًا كثيرة تقول عني الكثير من التشهير والسب، وحين تركت لهم المنطقة كلها وذهبت إلى أمريكا وجدت التعليمات قد سبقتني إلى الإخوان هناك، وهكذا فهم يجيدون إيذاء كل من وقف معهم فترة من الزمن، إذا اختلف معهم. إنهم يستبيحون الآخرين، فكل من ليس في جماعة الإخوان حلال لهم دمه وماله، وعلى هذا الأساس كانت استباحة دم كل من خرج عليهم أو انشق عنهم، ولهذا فقد قاموا باغتيال المهندس السيد فايز حين خرج عن النظام التابع لعبد الرحمن السندي وانضم إلى يوسف طلعت، إنه لم يخرج من الإخوان، ولكنه ترك السندي وانضم ليوسف طلعت؛ فصدرت تعليمات السندي بقتله، وقد تم إرسال علبة من الحلوى هدية إليه، ولما فتحها انفجرت وقتلته وقتلت معه أخاه الأصغر الذي كان يقف بجانبه.

أكتفي بهذا القدر لضيق المساحة، وسوف أتناول هذا الأمر تفصيلًا في حينه. وقبل أن أختم أقول:

إن كان هذا واقع الجماعة وتاريخها مع من كان ينتمون إليها من القيادات والأعضاء، ولازالوا على نهجهم هذا حتى اليوم، فلن ننسى أبدًا ما قالوه في حق الدكتور محمد حبيب وثروت الخرباوي ومختار نوح وعبد المنعم أبوالفتوح، وغيرهم وغيرهم، لذلك فليس بمستبعد ولا مستغرب أبدًا أن ينتهجوا نهجهم هذا، بل أشد مع من يخالفهم ويوجه النقد إليهم.

وإنني أوجه هذا السؤال إلى جماعة الإخوان، قيادات وأفراد: إن كان هذا هو منهجكم مع المخالفين لكم، وأيضا مع من انشق عن جماعتكم، فما هو موقفكم مِمَّن ارتدّ عن الإسلام؟

وأخيرًا، نشكر الأستاذ علي عشماوي الذي بيَّن ووضح للمسلمين حقيقة تلك الجماعة التي أنادي دائمًا بتفكيكها وما خرج من عباءتها من فصائل أخرى، سواء مصنوعة أو مستخدمة، فلقد أضر وجودها بالإسلام والمسلمين على السواء. وأكرر فأقول: تعاونوا مع الضباط الأحرار وخرجوا على الملك فاروق، ثم قالوا فاروق كان أفضل، ثم خرج من عباءتهم من قتل السادات، ليحل محله مبارك، ثم قالوا السادات كان أفضل، ثم جاءوا بالسيسي وأوصلوه إلى الرئاسة، عن قصد أو عن غباء، ثم قالوا مبارك كان أفضل.

أنوه إلى أن ما تناولته في مقالي هذا ليس إلا صفحات قليلة جدًا من التاريخ السري للجماعة.