منذ ظهور الهواتف الذكية في اليابان، وقد انتشرت وسيلة تواصل جديدة بين البشر عن طريق المراسلة والكتابة، فكان من الممكن التواصل بدون الحاجة إلى التواصل المباشر، ومقابلة الشخص، فبكل سهولة يمكنك أن ترسل المعلومات من خلال رسالة «SMS» ويمكن للشخص المتلقي استقبالها بكل بساطة، وذلك قد جعل من الهواتف الذكية أداة اتصال تربط كل الأماكن البعيدة، وتصغر المسافات، وتزيل ذلك العائق مما جعل الكثير من العلماء، بل معظم العلماء يتوجهون لتطوير تلك الأداة السحرية، ثم قد حدث التقدم المذهل في التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد ظهر الفيسبوك، وتويتر، وسناب شات، وكل تلك التطبيقات، فكانت تتطور بسرعة رهيبة، وصاحب ذلك التطور تطور اللغة التي يتواصل بها البشر مع بعضهم، فعند مراسلة شخص كان في بعض الأحيان يؤدي إلى فهم خاطئ للكلام المرسل مع غياب لغة الجسد والتواصل البصري، مما أدى إلى ابتكار التواصل «بالإيموچي»، وهنا قد ظهرت لغة التواصل الجديدة.

بداية الإيموچى

«الإيموجي» هي لغة تعبير بالرسوم، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، و«الإيموجي» مصطلح ياباني الأصل، ويعني اصطلاحًا الصور الرمزية، أو الوجوه الضاحكة المستخدمة في كتابة الرسائل الإلكترونية اليابانية، وجاءت هذه الرسوم التعبيرية باعتبارها مكملًا للغة المختزلة التي بدأت مع ظهور الرسائل النصية وانتشارها عبر الهواتف الجوالة، والبريد الإلكتروني محدود السعة، والكلمات والحروف، ومع ظهور نظام هواتف الإنترنت في اليابان، الذي لا يسمح باستخدام أكثر من 250 حرفًا في البريد الإلكتروني، أو الرسائل النصية، ظهرت الحاجة إلى كلمات تعبيرية مجازية بوصفها وسيلة أسرع وأسهل للتواصل.

ومن هنا بدأ فريق ياباني بالعمل على تطوير رموز تعبيرية أو «إيموجي» لصالح الشركة المعنية بنظام الهواتف عبر الإنترنت والهواتف المتحركة، لتجد طريقها إلى الاستخدام في عام 1999. في البداية اقتصرت الرموز التعبيرية على الهواتف اليابانية، ولكن عندما أصدرت «آبل» هاتف «آيفون» في اليابان، اكتشفت الشركة أنها بحاجة إلى إضافة دعم الرموز التعبيرية للمنافسة في السوق اليابانية.

تأثير لغة الإيموچي على لغتنا

بالرغم من أن التطور في التكنولوجيا ليس سيئًا، إنما مثل كل شيء له آثار جانبية، وعلى الأغلب أن أكبر متضرر من انتشار تلك اللغة في التواصل هي لغتنا العريقة اللغة العربية.

فإن الأجيال القادمة لن تعرف قيمة لغتها التي لا تقدر بثمن وسينشأ أطفالنا على تلك اللغة في التواصل، وهذا أكبر ضرر قد يحدث من انتشار تلك اللغة، وقد ثبت علميًّا أن من يملك صيغة معبرة عما يدور في ذهنه فهو إنسان سوي، والذي لا يملك صيغة معبرة فهو إنسان غير سوي؛ وبالتالي فإنه يحتاج إلى إعادة تأهيل، وهو لا يمتلك لغة للتعبير عن ذاته أو أفكاره.

اختلاف الآراء حول لغة الإيموچي في التعبير

دعنا نتفق على أن اللغة وسيلة وليست غاية، فقد اختلفت الآراء حول هل انتشار لغة الإيموچي في التعبير سيئة ويجب ألا نستعملها؟ أم أنها لغة العصر والأجيال القادمة في التواصل؟

وقد شاطر عالم اللغويات «بيتر شلوبنسكي»، من جامعة «لايبنس هانوفر»، وجهة نظره في أن استخدام الـ«إيموجي» لا يؤذي اللغة بشكل عام، مشيرًا إلى أنها لا تستخدم في كل مكان أو وقت، وإنما تقتصر على صور محددة للتواصل، مثل الرسائل القصيرة، أو تطبيقات الدردشة، وقد نلاحظ الإحصائيات في الاستخدام المفرط للإيموچي في التعبير والتواصل.

فقد أشار موقع «emojitracker.com» إلى أن أكثر الـ«إيموجي» انتشارًا هي الرسوم التقليدية، ويحصي الموقع تعداد الرموز التعبيرية المضمنة في رسائل تويتر كافة بعد تصنيفها، واحتلت صورة قلب الحب المرتبة الأولى مع 241 مليون مرة، وكانت المرتبة الثانية من نصيب دموع الفرح برصيد 152 مليون مرة، في حين أتى الوجه الضاحك ثالثًا برصيد 85 مليون مرة.

أرقام هائلة فعلا، فهل تعتقد أن ذلك يؤدي بنا إلى كارثة أم أنه لا داعي للقلق؟!

*تعقيب: تساؤل يطرح نفسه: ماذا بعد؟

أرى أن الاستخدام الكثير للغة الإيموچي في التواصل والتعبير قد يُحدث أضرارًا وجفاء في التعامل، فأصبحت العلاقات جافة.

من الممكن أن تكون الرسوم التعبيرية مريحة في التعامل، واختصار الوقت ولكن مما لا شك فيه تفقد اللغة العربية استخدامها الكثير.

ولكن هناك شيئًا إيجابيًا في هذه الرسوم التعبيرية، وهو الاختصار في الوقت، والاختصار في الكتابة، وفي نفس الوقت يتم الاستغناء عن اللغة العربية في الرسائل والحوارات وتصحيح الأخطاء، ويجعل الأمر وكأننا عدنا إلى عصور الفراعنة، واستخدام الرموز مثلما كان يحدث مع القدماء المصريين قبل اختراع الخط، وقد ثبت علميًّا أيضًا أن استخدام لغة غير اللغة الأم في الأوطان مع الأطفال أمر بالغ الخطورة، فالتأثير في المجتمع لا بد أن يكون بلغة واضحة، فإنه يوم بعد يوم نزداد تقدمًا، ونحتفل بالتكنولوجيا، ونسعد بإنجازات العلم، عالم سريع بضغطة زر واحدة، تستطيع أن تصل لأقصى مكان في الأرض، نواجه حسد الأجيال السابقة على رفاهية الحياة، وما قدمه العلم لجيلنا الحالي، ولكن تفقد الأشياء بريقها أيضًا يومًا بعد يوم، إحساسنا يفقد شعوره ونبضاته، تملأ الاختصارات حياتنا، بعد أن كانت التفاصيل نوعًا من أنواع الحب والاهتمام، أصبح الشيطان يكمن في التفاصيل، ولهفة اللقاء بالهاتف وسماع الصوت ثم برسالة قصيرة عبر فيسبوك، وتنازلنا عن سماع أنفاس الآخرين، وإحساسهم بالكلمة، ثم لم نعد بحاجة من الأساس أن نكتب أو نشرح أو نعبر أو نبكي في أحضان أحبابنا، لنفرغ طاقة سلبية، ونشحن بالأمل من جديد وأصبح «الإيموشن» هو الحل الذي استبدلناه بالمشاعر الحقيقية، وأصبحنا نستخدم هذه الصورة المزيفة لنقول بها جملًا كثيرة، وأحاسيس عريضة دون كلمات.

حقًا ماذا بعد؟!