في محاضرة عن التيارات الفكرية الغربية قدم الدكتور «عبد الوهاب المسيري» -عليه رحمة الله- ثلاثة أمثلة في شكل دعابات؛ لتعطي فكرة عن «إنسان ما بعد الحداثة»، أذكر هنا الأخيرة منها، وهي عن إنسان فقد المعنى: مليونير أمريكي، حصل على كل شيء، السيارة والمنزل، والمرأة، والرفاهية الكاملة، لكنه داخل هذه المنظومة المادية، لم يجد معنى على الإطلاق، فقرر أن يبحث عن المعنى.

بحث في العقائد والديانات، فسمع عن جماعة «هاري كريشنا»، فذهب إليهم وقال لهم إني أبحث عن المعنى، وما هي الحقيقة؟ قالوا: لا؛ إن سؤالك في غاية الصعوبة، عليك أن تذهب إلى الهند، فذهب. ومكث عدة أيام في شوارع الهند إلى أن قالوا له عن أحد المتصوفين أو «اليوجي» المشهورين، فذهب إليه وجلس عند قدميه وطرح عليه السؤال: أين المعنى؟ وما هي الحقيقة؟ قال له سؤالك يا بني في غاية الصعوبة، معلمي الأكبر هو الذي يمكنه الإجابة عن هذه الأسئلة.

– قال له أين معلمك؟

– قال في كهف ثلجي في أعلى جبال الهملايا.

فتسلق الجبل -لأنه كان جادًا في البحث عن الحقيقة والمعنى- إلى أن وصل إلى الكهف، وبالفعل وجد هذا الرجل الذي تبدو عليه علامات التقوى والورع، وجده جالسًا يتأمل، فجلس عند قدميه عدة أيام إلى أن نطق أخيرًا، قال له ماذا تريد يا بني؟

– الحقيقة يا سيدي، حتى أجد المعنى.

– الحقيقة تتلخص في كلمتين «نيرفانا، ومانترا».

– فقط كيف أكتبهما؟

فأملى عليه.

– وما معناهما؟

– نسيت!

هناك صلة تشابه معرفية بين تلك الدعابة وبين رواية «اسم الوردة»؛ ففي رواية «اسم الوردة» يكون قارئ الرواية في وضعية ذلك الأمريكي الذي ضجر من حياته، فتخلى عن عالمه، بحثًا عن الحقيقة والمعنى، فبداية من «اسم الرواية»، ثم الحكاية نفسها، التي يعيشها القارئ بوصفها رحلة -تشبه الرحلة التي قطعها ذلك المليونير بحثًا عن المعنى- والتي يعتقد القارئ أيضًا أنه من خلال القراءة، وخلال رحلته في ذلك العالم -الذي خلقه «إيكو» ووضع له اسمًا محايدًا جدًّا ومخادعًا- إنه سيتعرف في النهاية على المعنى.

كان من المنتظر من الكاتب كما هو الحال مع الراهب في كهفه الثلجي أن يخبرنا «ما المعنى؟ وما هي الحقيقة»؟ وكان لا بد للقارئ كما للمليونير أيضًا أن يجدا في النهاية المعنى الذي ظلا يبحثان عنه، لكنهما يصطدمان في آخر الأمر باللاشيء أو الفراغ.

فالكاهن، المتصوف، المتبتل في محرابه، والسارد «أدسو» الذي يجعله «أمبيرتو إيكو» يسرد لنا الحكاية على لسانه، يصدمنا في النهاية بشكل صارخ بـ«النسيان» نعم، النسيان.. نسيان تام لعنصر أساسي وجوهري وهو عامل مشترك بين الحكايتين. وهو نسيان متعمد في حالة الرواية؛ لأن الكاتب تغاضى عن قصد عدم ذكر شيء جوهري جدًّا، وهذا الشيء الجوهري يمثل الركيزة الأساسية التي يستند إليه هذا العمل الأدبي بأسره.

في الحقيقة هناك مجال شاسع جدًّا للتأويل يخلقه النص، ولكن تظل هناك رسالة أخرى خفية أو بالأحرى غائبة؛ إذ ماذا لو أراد الكاتب -بعيدًا عن الحبكة ومتعة النص والقصة التاريخية وما إلى ذلك من ملح وفلفل أي عمل أدبي- أن تكون رسالته تلك هي «الغياب نفسه» حكاية الغياب أو اللاوجود؟

وبالفعل إن الفترة التي تحكيها الرواية، من الماضي، أي أنها لم تعد موجودة، قد طواها الزمن وابتلعها الماضي في جوفه المعتم، وإذا أراد أن يسمي «إيكو» روايته لا سيما إن كانت الرواية تحكي حكاية الماضي، أي الغياب التام، ترى كيف يختار لها اسمًا؟ كيف يسمي الغياب؟ أو اللاوجود؟

وهنا أقتبس من «إيكو» نفسه ولكن بقليل من التفكيك يقول: «كانت الكلمات أسماء، كما كانت الوردة اسمًا.. كانت اسمًا لعالم نحسب أننا نعرفه، عالم تخيلي عن الماضي، عالم لم يعد له وجود إلا في ذاكرة «أدسو» -الشخص الساذج- والتي من المرجح أنها أصبحت مشوشة، مع الأخذ في الحسبان مرور الزمن، ومقارنة مع حقيقة فكر الإنسان بالطبيعة الوهمية للرأي، وبالطبيعة الخداعة للحواس؛ لأننا قد نتوهم أننا على علم بالشيء، ويكون الواقع على خلاف ذلك تمامًا؛ فالأشياء قد تخدعنا، والحواس أيضًا قد تخدعنا. إذًا؛ إن كانت التمثيلات خداعة، فالأسماء ليست إلا عناوين خداعة هي الأخرى، يقع إلصاقها بالأشياء التي نظن أننا نعرفها».

*الاقتباس من كتاب السيميائية وفلسفة اللغة لأمبيرتو إيكو.

وهكذا كأنه يريد أن يقول إن الحكاية عن عالم لم يعد له أي وجود؛ لذا فإنه في حاجة إلى اسم أو «عنوان يشوش على القارئ أفكاره لا أن ينظمها»؛ حتى يضلل القارئ الذي في ظل غياب المرجعية، بدون ركيزة أساسية، كلما أراد أن يمسك المعنى تفلت من بين يديه، وكما كانت رحلة المليونير بلا معنى كانت رحلة القارئ بلا معنى أيضًا.

ففي رحلة المعنى لم يحصل المليونير إلا على كلمتين «نيرفانا، ومانترا»، وفي الرواية يختتم الكاتب بذلك البيت من الشعر: «كانت الوردة اسمًا، ونحن لا نمسك إلا الأسماء».