تناول المقال الأول من هذه السلسلة ظاهرة «الأنانية» باعتبارها صفة نفسية اتصف بها الأب في رواية الإخوة كارامازوف وأدت إلى تشتيت شمل تلك العائلة الصغيرة بتلك الطريقة المأساوية؛ أما الآن فسيكون الحديث عن قيمة أخرى تجلت بوضوح في شخصية الابن الأكبر في الأسرة وهو ديمتري كارامازوف أو «ميتا» اختصارًا.

يقول دوستويفسكي على لسان «إيبوليت كيريلوفتش» ممثل النيابة العامة أثناء محاكمة ميتيا بعد أن اجتمعت كل الملابسات والقرائن لتشير إلى أنه المسؤول الأول عن جريمة قتل أبيه: «وأخطر ما في الأمر أن العجوز الطائش المجنون كان يحاول أن يفتن المرأة التي تولّهَ بحبها بواسطة ذلك المال نفسه الذي كان ابنه يَعده حقًا آل إليه من ميراث أمه».

أعتقد أن هذه الفقرة تلخص عقدة الرواية كلها، فالصراع المرير بين الأب والابن كان له وجهان: الأول؛ ملاحقة الابن لأبيه من أجل انتزاع ميراث أمه، بعدما احتال الأب على الابن الطائش المنشغل بالشهوات والذي لم يحصل إلا على جزء زهيد من ميراثه وبالتقسيط، أما الوجه الثاني: فهو صراعهما الدرامي من أجل الفوز بقلب الشابة «غروشينكا» وهذان الوجهان هما محركا أحداث الرواية ووقائعها، وبين هذين الوجهين القاتمين يمكن أن نتبين ملامح النبل والإنسانية التي تجلت في شخصية ديمتري كارامازوف.

فلتنعرف على ديميتري كارامازوف..

إن ميتيا هذا؛ هو ابن تيودور من زوجه الأولى «أدلائيدا إيفانوفنا» التي كان قد اختطفها من أسرة «ميوسوف» الغنية ثم هرب بها ثم عشقته وأحبته وعلقت عليه آمالا كبيرة رغم ذلك، لكن كل آمالها ستذهب أدراج الرياح بعدما اصطدمت المسكينة بجشعه ونهمه الذي لا يكاد ينتهي ورغبتة الجامحة في الاستيلاء على أموالها، حتى انتهى بها الحال إلى التخلي بإرادتها عن أموالها له؛ فقط من أجل التخلص منه وتفادي شره المستطير.

هذه الصدمة، من جراء خيبة الأمل في الزوج، ستكون سببًا مباشرًا في القرار الذي ستتخذه «أدلائيدا» وهو الفرار من زوجها ووضع حد لمعاناتها الدائمة معه، حيث تأكدت ألا رجاء في إصلاح حاله أو تعديل سلوكه الشاذ، وإن خسة ووضاعة تيودور (الزوج) ستجعله يستغل فرصة غيابها (هروبها) ليحوّل بيته إلى وكر للدعارة وممارسة مختلف أنواع الفسوق والمجون، قبل أن يشعر في لحظة – لغرابة طبعه- أنه قد اشتاق إليها؛ فيخرج باحثًا عنها من أجل إقناعها بالعودة إلى بيتها! لكنه سيفاجأ في آخر لحظة بأن المسكينة قد فارقت الحياة، فيشعر بحالة من السعادة التي لا يمكن القول عنها إلا إنها مرضية، وذلك عندما يصيح قائلًا بعد أن سمع الخبر وهو يبكي وينتحب: «الآن حررت عبدك يا رب».

هنا نهاية حكاية الأم المسكينة؛ التي كانت قد وضعت مولودًا ذكرًا قبل فرارها، وهو «ميتيا» الذي ستكون حياته أسوء من حياة أمه، فبعدما وُلد كان حظه النسيان التام من طرف أبيه كأنه لا يعني له شيئًا، ليتكلف العجوز «جريجوري» خادم الأسرة بتربيته بعد أن ضمه إليه مع زوجته في كوخه المخصص له داخل بيت الأسرة، وهكذا بقي معه مدة من الزمن إلى أن قدم من فرنسا أحد أبناء عم «أدلائيدا» وهو «بيتر ألكسندروفتش ميوسوف» الرجل الليبرالي المثقف الذي علم بوفاتها، فقرر أخذ الطفل معه وتربيته بموافقة الأب الذي تلقى الأمر بنوع من البرودة والاستسلام.

إن حياة ميتيا لا تنتهي هنا، فبعد مدة قصيرة اضطر فجأة «بيتر ألكسندروفتش ميوسوف» إلى العودة إلى فرنسا ليترك الابن عند إحدى بنات عمه في موسكو، وبعد ذلك حدث أن توفيت هذه السيدة لينتقل من جديد إلى حضن إحدى بناتها المتزوجات، وهكذا أدت تقلبات الأيام وتعاقبها إلى أن نسي بيتر ألكسندروفتش ميوسوف الصبي ليبدأ رحلة انتقال الأخير من حضن إلى حضن، حيث ستكون حياته كلها متاعب ومعاناة منذ زمن انقطاعه عن المدرسة التي لم يتم دراسته فيها إلى حين دخوله المدرسة العسكرية إلى أن وجد نفسه غارقًا في بحر من الديون التي تكدست عليه بسبب لهوه وتبديده للمال.

لقد كانت هذه التجربة القاسية التي عاشها خارج عش الأسرة، سببًا في اكتسابه كل الصفات السيئة التي كان يتصف بها والده، فكان من حيث اللهو والقصف ومطاردة الشهوات شابًا طائشًا ومنحلًا؛ نسخة طبق الأصل للأب، ولا شك أنه كان ضحية ظروف الحياة المتقلبة والحرمان من مشاعر الأبوة والأمومة التي عاشها منذ طفولته المتقلبة، لكنه من جهة أخرى كان له ضمير حي، لقد كان أكثر نبلا وإنسانية من أبيه، وضميره هذا هو الذي حال بينه وبين الانجرار إلى ارتكاب الجرائم، لقد كان «إنسانًا شريفًا» كما شهدت بذلك غروشينكا عشيقته.

إن حالته نموذج لتناقضات الذات الإنسانية وتقلبها بين الخير والشر، «إننا إزاء أناس قادرين على أن تصم نفوسهم جميع تناقضات الحياة، وعلى أن يرنوا بأبصارهم إلى الهوتين كلتيهما في آن واحد، الهوة العيا التي تحلق فيها أنبل المثل والهوة السفلى التي تغوص فيها أحقر المخازي وأدنأ أنواع السقوط» فرغم حياة القصف والعربدة التي غرق فيها، إلا أن ضميره المتقد كان يمنعه من الانجرار نحو احتراف اللصوصية والتطاول على ممتلكات الناس بغير حق.

تتضح في هذه الجزئية رسالة دوستويفسكس ونظرته الواقعية للظاهرة الإنسانية؛ ليس هناك إنسان أحادي البعد من الناحية الأخلاقية، والنظرة العدمية الحدية لتحليل السلوك الإنساني محكوم عليها بالفشل، لأنها تغفل وتتجاوز هذا التعقيد الذي يجعل الإنسان فريدًا، فحتى في غمرة الانحلال والتفسخ الأخلاقي، فمن الممكن اكتشاف بعض معالم الإنسانية في الإنسان فردًا كان أو جماعة، وحتى وإن تحاملت ظروف الحياة وعملت على تطويع الإنسان لتطمس فيه معالم هذه الإنسانية، فمن الممكن أن يظل الضمير الإنسان بعيدًا كل البعد عن التلوث الخارجي، والإنسان بهذا يظل حيًّا ما دام ضميره متيقظًا نيرًّا، ويموت متى ما مات ضميره؛ فالضمير الإنساني الحي المتوقد هو البذرة التي تحمل إمكانية بعث الأمل في الحياة، ومن لا ضمير له لا إنسانية له.