برزت إلى سطح الوجدان العربي تساؤلات كثيرة تتعلق بالوضع الاقتصادي المتهالك والذي هو السمة الغالبة في معظم الدول النامية والتي كانت مستعمرة من الاستعمار القديم وللأسف تندرج معظم الدول العربية والإسلامية من ضمن الدول النامية، فقررت السير للوراء في التاريخ متسائلا عن أسباب تأخر عجلة التنمية في منطقة الشرق الأوسط، وليس كذلك فقط، وإنما عن سبب إغراق تلك الدول النامية بالديون وفوائد تلك الديون للبنك الدولي أو للدول المانحة.

ويكثر في هذه الأيام الحديث عن فك الارتباط بعجلة الاقتصاد العالمي أو التبعية الاقتصادية والنظام الرأسمالي على وجه الخصوص، فهذا النظام لن يقرضك بالمجان فهو يحقق عدة فوائد عندما يقرض الدول الفقيرة، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر – أنه يربط ذلك القرض بمواقف وتبعات سياسية، بل يتدخل في صميم سيادتك الداخلية، وبالتالي يوفر لنفسه استعمارا وهيمنة على هذا البلد دون الحاجة لاحتلاله، ويستفيد بعد إقراضك بفوائد تلك القروض التي ينبغي عليك سدادها.

فأردت الحديث عن تجربة مجدد نهضة مصر الحديثة محمد علي باشا والذي حكم مصر من ( 1805-1848)، يعتبر عصر محمد علي باشا العصر الذهبي لمصر الحديثة فهو لم ينفصل عن الاقتصاد العالمي كما يطالب البعض الآن، وإنما كان الاعتماد على الاقتصاد المتبادل.

ويرجع نجاح تجربة محمد علي باشا في دفع عجلة الاقتصاد إلى عدة عوامل أولها الاكتفاء الذاتي لمصر من الغذاء، فمصر في عهده لم تكن تستورد الغذاء بل كانت تصدر فائضها من الرز والفول والذرة والقمح والقطن وبالمقابل تستورد ما تحتاجه من الآلات والسفن والمدافع والحديد والخشب، وثانيها أن مصر كانت تتمتع في عهده بدرجة عالية من المساومة مع المصدرين والمستوردين على حد السواء ضمن أفضل الشروط الممكنة، أما ثالثها فهذا الرجل الذي بنى المصانع وأقام السدود والخزانات وأحدث ثورة في التعليم، وأرسل البعثات وأنشأ أقوى جيش في المنطقة لم يسمح لنفسه أن يتورط بالديون والقروض الخارجية أو الاستثمار الأجنبي، وخلال حملاته العسكرية عندما كانت بلاده تمر بضيق وعجز بالموازنة كان يقوم بالاقتراض من التجار المحليين في داخل مصر، ثم يعقب ذلك رخاء وتفيض خزانة المال فيقوم بتسديد جميع تلك الديون للتجار المصريين.

وبذلك عندما توفي محمد علي عام 1849 لم تكن مصر تدين لأحد بقرش واحد، ومن المفيد أن نتأمل عندما يثور الحديث عن التبعية للاقتصاد العالمي أن كل الدول الغنية فيها والفقيرة أيضا قائمة على الاعتماد المتبادل، فالعبرة كما رأينا في فترة حكم محمد علي ليس بالاستقلال عن الاقتصاد العالمي، وإنما بالقدرة على المساومة في العلاقات الخارجية، ووجود قدرة حقيقية على سداد الدين من خلال مشاريع مدروسة تركز على الاستثمار والصناعة والزراعة، إضافة لمحاربة الاحتكار ومحاربة التجار الذين يرهنون مصالحهم بمصالح الدول الأخرى، وذلك من خلال جهاز رقابي صارم.

ففي فترة محمد علي كانت معظم صادرات وواردات مصر تمر من خلال الدولة واشرافها، فمن الخطر بمكان ارتفاع معدل استيراد الدولة على حساب صادراتها، فالدولة بهذه الحالة تكون بين حالتين لا ثالث لهما، الحالة الأولى أن تلك الدولة لديها مخزون سيادي عالي قادر على تغطية النفقات والواردات الكثيرة في حال العجز وعدم التوازن بين الاستيراد والتصدير، والحالة الثانية ببساطة أن تلك الدولة ليس لديها مخزون سيادي كاف، وبالتالي ستغرق بالديون إضافة للديون المتراكمة عليها من البنك الدولي وهذه هي الحالة الأفدح.

وفي كلتا الحالتين فإن الاقتصاد سينهار في الحالتين وسيكون قرار تلك الدولة السيادي مرهون بقروض الدول المانحة والتي لن تقرض تلك الدولة المعوزة لوجه الله كما قلنا سابقا وإنما لتحقيق مصالح تخدم تلك الدولة سياسيًا واقتصاديًا، وعندما تعجز تلك الدولة عن السداد لوجود خلل في منظومتها الاقتصادية والإدارية، يحصل الانهيار العام وتتحمل الشعوب بالعادة تبعات تلك الديون لأنهم الطرف الأضعف.

ونحن هنا ندعو لتغيير فعال في السياسة الاقتصادية العامة للدول النامية بما يعود بتحقيق التوازن داخل تلك الدول بين الاستيراد والتصدير، إن التنمية الاقتصادية ليست بمعزل عن التنمية السياسية وانتشار الديمقراطية، ونستطيع الاستفادة من تجارب دول كانت مدينة للبنك الدولي ثم سددت ديونها، بل قامت بإقراض البنك الدولي، ألا هي الجمهورية التركية في عصر السلطان رجب طيب أردوغان، وما نحتاجه للنجاح بهذا الأمر وجود الإرادة الحقيقية من النخبة السياسية لتحسين هذا الواقع المر، وذلك أن الشعوب قد تسكت وتسكت، لكنها لن تسكت إلى الأبد عندما يصل أمر المواطن لرؤية أولاده يتضورون جوعًا.