نحن نشهد اليوم على كل جانب من جوانب الطيف السياسي خوفًا من حدوث تفسخ اجتماعي ودعوة من أجل إحياء المجتمع. ولنا أن نسأل إذا كانت السياسة الراديكالية في وقتنا الراهن لا بد من أن تكون سياسة تجديدية، فهل لنا أن نعيد اكتشاف فكرة أو حقيقة المجتمع في الظروف الاجتماعية الراهنة؟ التنبؤات هنا لا تبدو واعدة. فقد سبق أن تضمن الفكر الاجتماعي إشارات مؤكدة، وعلى مدى زمني طويل، إلى تدمير المجتمع مع أكثر أشكال التضامن الاجتماعي. إذ أكد دوركايم وفرديناندتونيس مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين أن الاتحاد حل محل المجتمع المحلي من خلال روابط لا شخصية انتظمت داخل إطار التقسيم الاقتصادي للعمل. واعتقد دوركايم أن بالإمكان إلى حد ما إعادة تأسيس المجتمع المحلي داخل الإطار المهني، حيث للنقابات والاتحادات المهنية أن تشكل مصدرًا للتضامن المفتقد في المجالات الأخرى، ولكن تأكد بعد ذلك أن هذا كله حلم غير قابل للتطبيق.

ويذهب كثيرون إلى أن إعادة بناء المجتمع المدني، أو بعض جوانبه، قد تمثل الإجابة المنشودة. بيد أن ثمة مشكلات عديدة تواجه الراغبين إلى تجديد المجتمع المدني كوسيلة لإعادة اكتشاف المجتمع المحلي.

وفي هذا السياق، ثمة احتمال لتوتر بين عملية وتجدد المجتمع المدني، ذلك لأن تطور الحقوق المجردة والعالمية. من مثل تلك التي دعمت إليها الليبرالية، لن يخلق مجتمعا محليًا على صعيد قومي أو أي صعيد آخر. وسبق أن ذهب بعض النقاد، في الحقيقة، إلى أن انتشار الحقوق سيغزو النظم الطائفية للمجتمع المدني ويدمرها. وتعود هذه الفكرة إلى توكفيل الذي كتب في فقرة مشهورة له عن الأفراد في المجتمع الأمريكي، فقال:

كل منهم يعيش منفردًا، أشبه بالغريب إزاء مصير الباقين، أطفاله واصدقاؤه الخاصون جدًا هم عنده كل البشرية. أما عن بقية من يشاركونه الوطن، فإنه  لصيق بهم، ولكن لا يراهم، يلمسهم ولكن لا يشعر بهم. أنه موجود ولكن في نفسه ولنفسه وحده. وإذا كانت أسرته لا تزال باقية له فيمكن القول أنه فقد بلده.

وعلى الرغم من ذلك تظل ساحة الحوار المحتملة مفتوحة أيضًا لجميع النقاط ذات الصلة التي تدفع بها الكوزموبوليتانية الكوكبية بين الثقافات والتقاليد المختلفة، سواء أكانت في سبيلها إلى الاندثار أم الإحياء من جديد. ومن هنا يمكن أن نؤكد أن هناك تناوب صارخ للمواقع بين تطبيق ديمقراطية الحوار وبين العنف. ونعرض قضية الأصولية، حيث يمكن فهمها بدقة على أنها رفض للحوار في عالم اضحت فيه التقاليد المختلفة في حالة تماس منتظم، الأمر الذي لم يحدث أبدًا في السابق.

لذلك تتخذ ديمقراطية الحوار موقف المعارضة أنماط النزعات الأصولية. ويمثل هذا الموقف في الحقيقة جانبًا أساسيًا من أهميتها داخل نظام اجتماعي قائم على الانعكاسية المتقدمة. ولا يعني أيضًا أن الحوار داخل أي نظام أو علاقة لا بد من أن يكون متصلًا، وإنما ينبغي أن نفهم الحوار باعتباره القدرة على خلق ثقة نشطة من خلال تقييم الآخر في وحدته المتكاملة. والثقة هنا هي وسيلة لتنظيم العلاقات الاجتماعية في الزمان والمكان. إنها تدعم ذلك الصمت الضروري الذي يسمح للأفراد أو للجماعات أن ينعموا بحياتهم مع وجودهم في علاقة اجتماعية مع الآخر أو الآخرين.

وهذا النهج له آثاره مهمة على دمقرطة الديمقراطية. ففي نظام اجتماعي انعكاسي متزايد حيث الناس أحرار في تجاهل السياسة حين يشاؤون، لن يتسنى الاحتفاظ بالشرعية السياسية لمجرد وجود جهاز ديمقراطي للتصويت وتميل نيابي وبرلمانات. ومن ثم يتعين من أجل خلق هذه الشرعية والحفاظ عليها أن تصبح مبادئ ديمقراطية المداولة أكثر فأكثر أهمية. ففي ظروف التحديث البسيط حيث السكان مستقرون نسبيًا، وتسود أعراف أو عادات محلية يمكن للشرعية أن تعتمد في جزء منها على الرمزية التقليدية، لا توجد من يقلق كثيرًا بشأن ما يجري وراء الكواليس. وأكثر من هذا أن جميع أنواع المحسوبيات، بل الفساد السائد، يمكنها ليس فقط البقاء، بل أن تصبح الأسلوب المقبول لأداء الأعمال داخل القيادة السياسية. مثال ذلك أن فرض الضرائب وغير ذلك من موارد تستخدمها الحكومة أو أجهزة الدولة يمكن تحصيلها من دون محاسبة ذات بال من جانب الشعب لمعرفة مصارفها.

ومن المفترض أن تكون البرلمانات والمجالس التشريعية في النظام الديمقراطية الليبرالي هي الساحات العامة حيث يجرى الاتفاق بشأن الموضوعات المتعلقة برسم السياسات، ولكن يتباين مدى انفتاح هذه المجالس وقبولها للتفتيش من جانب الجمهور، ومن ثم تكون عرضة إما لهيمنة النزعة الانقسامية للسياسات الحزبية، وإما أن تكون في جوهرها جمعيات إدارة الجدل الخاص. ولكن تطبيق ديمقراطية المداولة سوف يعني المزيد من الشفافية في كثير من مجالات الحكم، وليس دون ذلك أهمية مجال إنتاج الموارد.

إما بالنسبة لمشكلة أو قضية العنف، وكيف نجد منه أو نحول دونه، واحدة من أصعب القضايا التي ظهرت بعد تلاشي المواجهة بين القوتين العظميين. وتعرف جمعيًا (انعكاسيًا) أننا نعيش الآن في نظام عالمي جديد، بيد أنه يبدو عالمًا مثيرًا للقلق شأن القديم. وليست المشكلة مجرد تراكم العتاد العسكري، بل تفاقم التوترات المحلية في عدد من المناطق، والمقترنة في الغالب بانقسامات قومية ودينية وعرقية. وبات واضحًا في ضوء الماضي أن احتمالات الحرب الباردة، على الرغم من أخطارها الطاغية، في بعض المجالات كانت قوة استقرار في كثير من المناطق في العالم.

ويمكن القول إن الحرب الباردة أبقت على حوار يتسم بالرياء بشأن الحقوق الديمقراطية خلال فترة بداخلها هذا المصطلح فارغًا من المعنى؛ إذ كان عباءة للمصالح الاستراتيجية لقوة عظمى. وأوضحت  الحكومات الأمريكية المتعاقبة بأنها لن تتسامح مع نظم الحكم التي تتناقض مع مصالح الولايات المتحدة، وعمدت إلى إثارة القلاقل بقوة في بلدان رأت أنها لا تتوافق مع هذه المصالح. وأعلن الاتحاد السوفيتي دعمه للديمقراطية بصوت عال يضارع صوت خصومة  العالميين. والتزم في الوقت ذاته سياسات محكومة أساسًا بالاهتمامات الجيوبوليتيكية.

وفي هذا الصدد، يمكن أن نشير إلى الأبعاد  الهيكلية التي تمثل الابعاد المؤسسية المختلفة  للحضارة الحديثة، حيث تضم هذه الأبعاد النزعة الصناعية كنمط للإنتاج يحرك علاقتنا المتغيرة مع الطبيعة المادية. وهناك بُعد السيطرة على القوة العسكرية وعلى وسائل العنف. ثم التحكم في المعلومات أو الإشراف كوسيلة  لتوليد قوة إدارية.

وعلى ضوء على تلك السياقات (المعرفية) والأطر (الفكرية) ذات الصلة بأنظمة الحكم فإنه يمكن الإشارة إلى بعض النماذج والأشكال السياسية – الاجتماعية التي يمكن أن تُوجد؟! والمتمثلة في المقاربة التالية:

إن خطر عدم توحد القوى السياسية على المدى البعيد قد يُنذر بانقسام العراق إلى أقاليم وفيدراليات على أساس طائفي؟ وهذا ما قد ينهي العراق الموحد إلى الأبد. ويكفي  التذكير بأن فكرة الفيدراليات لها دعوات قديمة من الأكراد الذين طالبوا لها حلًا لأزمتهم إضافة إلى قبول الشيعة العرب بهذه الفكرة واعتبارها حلًا للتعايش السلمي في العراق، وتوفير التنمية في الجنوب العراقي الشيعي المهمّش في تقديرهم.

حاصل القول إن خطر الطائفيّة بدأ يتجسّد على أرض الواقع من خلال فكرة الأقاليم الفيدرالية وما كان يطرح في 2003 سرًّا بين أفكار كثيره صار اليوم مطلبًا إعلاميًا عاملًا سحريًا لإنهاء الاقتتال والتناحر، وأصبح مطلبًا دستوريًا مستحقًا. فما كان مستحيلًا في السابق صار مُمكنًا ومطروحًا في العصر الراهن. لذلك لا عجب أن نستذكر في نهاية هذه القراءة حادثة تتنبّأ بهذا المستحيل يرويها الصحافي الأمريكي توماس فريدمان (Thomas Friedman) عن الرئيس اللبناني كميل شمعون، يقول فريدمان: عندما اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان، طلبت قيادات لبنانية من كميل شمعون إبداء رأيه في فكرة تقسيم لبنان وذلك لإنشاء دولة مسيحية، فلم ترق لشمعون هذه الفكرة وقال لمحدثيه: اسمعوا… لبنان لا يتقسم إلا إذا انقسم العراق، فإذا شاهدتم العراق يتقسم، فهذا يعني بداية مرحلة الدويلات الطائفية والعرقية في المنطقة، وليس في لبنان فقط. إن هذا الرأي الذي أبداه شمعون قبل نحو ربع قرن يحلينا الآن تلقائيًا على ما يحدث  في العراق، باعتبار أحواله مقياسًا – وفق تقديرات شمعون – ووحدته الوطنية معيارًا لثبات وبقاء الجغرافية السياسية الراهنة في المنطقة على أوضاعها، في المقابل، تصبح بوادر رياح التقسيم في بلاد الرافدين نذير شؤم، وبداية لرسم خرائط سياسية جديدة في المنطقة. واليوم السفارة الأمريكية في صنعاء 14 مايو (أيار) 2018 تصدر بيانًا تندد فيه باضطهاد البهائيين في اليمن تشعر الولايات المتحدة بقلق عميق من مضايقات البهائيين واحتجازهم من قبل الحوثيين في صنعاء في اليمن. لقد استهدف الحوثيون الطائفة البهائية في خطاب تحريضي إلى جانب موجة الاعتقالات واستدعاءات من المحكمة، والعقاب بدون عملية قانونية عادلة أو شفافة. وتشير هذه الإجراءات في خلال العام الماضي إلى وجود نمط مستمر من سوء معاملة البهائيين في اليمن للتخلي عن عقيدتهم، ولكن كيف تؤثر تلك المسارات على وضع الأقليات والدولة في العالم العربي من حيث مصطلحات الفيدرالية والديمقراطية والمجتمع المدني ومدى تأثيرها في النظم السياسية.

وهكذا نجد أن عولمة الأفكار في تلك السياقات والأطر والنظم  حين يُدور الصراع سوف تتعدد الرؤى ومناهج العمل ويظهر يسار ويمين، ولكن لنا أن نتسأل، هل سقوط النظم الإدارية أو نظم الحكم يعني سقوط التوجه الفكري جملة نحو عدالة اجتماعية أو تغيير علاقات المجتمع؟

وهل النقد منصب على المعرفة واستخدامها وتوظيفها بشكل مطلق أم على قوى صاحبة مصالح تستثمر المعارف تحقيقًا لمصالحها من دون بقية المجتمع؟ وهذا من شأنه أن يولد صراعًا وحراكًا اجتماعيا تتباين وتتصارع بشأنه الرؤى والأفكار يمينًا ويسارًا، أو محافظون وراديكاليون دعاة تغيير. وبالتالي أصبح من الضروري إضفاء معانٍ جديدة على تلك القيم والأفكار الناجم عنها، التي  قد تُظهر يسار: أنانية المصالح، في مقابل يمين: حوار الرياء، وبعيدًا عن اليسار واليمين: الإطار المعني بالحقوق الديمقراطية، في ظل مقاربات مشابهة أو مختلفة في المنطقة العربية أو العالم العربي، التي قد تتبدل وتتشكل ملامحها في المرحلة الراهنة في سياقات التغير في سياسات النظام العالمي.

أم يمكن النظر لتلك المقاربات من منظور يرى أن الفردية البريطانية ذاتها ليست هي الأنانية. إذ تقضي الأخلاق البريطانية بأن ثمة حاجة إلى انتفاء الصراع بين المجتمع والأفراد مع التأكيد على فرديتهم، إن المجتمع هو مهد وليس لحد الفردية.