(التفكير الإيجابي الوهمي) كما اصطلحنا عليه وأسميناه في المقال السابق، هو قناع نَلبَسهُ لنُخفي قلقنا، وقلنا إن وراء هذا القلق؛ المخاوف وأفكارنا السلبية، وقلنا يجب علينا التعامل مع المخاوف وتفهمها قبل التعامل مع القلق، وقلنا إن (التفكير الإيجابي الوهمي) هو مجرد هروب من مخاوف وأحداث متوقعة في المسقبل، وهو عبارة عن مساحيق تجميل لا أكثر سريعة الزوال، ولذلك علينا التعامل مع المخاوف والأفكار السلبية وتفهمها وتقبلها باعتبارها واقعًا وليس تجميلها وإخفاءها بالأفكار الإيجابية فقط، لأننا سنقع في سجال وصراع، وبالتالي سيشغلنا ذلك عن أداء ما نريد إنجازه بالشكل الذي نطمح إليه، لأن حينها ستكون المؤثرات الخارجية هي التي تحكمنا وتتحكم بنا وتحد من إبداعنا وقدراتنا ورغباتنا.

فكيف إذن نتعامل مع هذه الأفكار والمخاوف؟ وكيف نواجهها؟ وكيف ننتقل من مرحلة (التفكير الإيجابي الوهمي) إلى مرحلة (التفكير الإيجابي الحقيقي)؟

بداية علينا أن نعلم: أن «المخاوف والأفكار السلبية» هي مجرد أفكار ومجرد أحاسيس، هي في عقولنا وفي عالم الخيال وليس لها بالواقع أي صلة، صحيح أنها تتسبب لنا بالألم، والإنسان مفطور على كره الألم والتعب، وبالمقابل مفطور على محبة اللذة والراحة، فمن الطبيعي أن نراه يهرب من الألم وينفر منه، ويقترب من اللذّة ويتمنى بقاءها، لكن تعاملنا مع هذه المخاوف بطريقة خاطئة هو الذي ينقلها من عالم الخيال إلى عالم الواقع، فنتسبب نحن أنفسنا بإتعاس أنفسنا، لأننا صدّقنا مخاوفنا وأفكارنا السلبية، فكانت نتيجة ذلك: إما الاستسلام لها باعتبارها أمرًا مسلمًا به، وإما مقاومته بالأفكار الإيجابية وبالتالي ؛ الهروب من المواجهة التي بها يتم اختبار حقيقة هذه المخاوف والأحاسيس، وبالتالي سنفقد أكبر فرصة لاكتشاف أنفسنا، وبالتالي لن ننضج ولن نكبر ولن نترقّى في الحياة، وسنظل حبيسي مرحلة متدنية من الوعي والعقل، صحيح أننا سنكبر بالسنوات لكن نفوسنا ستبقى بعمر الأطفال، ولكن لماذا؟ لأننا لم نسمح لها بالنضوج؛ والنضوج لا يتم إلا من خلال مواجهة أحداث الحياة وخوض معامعها وعيشها بكل أدوارها.

لافتة: الهروب بالأفكار الإيجابية وعدم مواجهة المخاوف وعدم تفهمها = الابتعاد عن الطمأنينة الحقيقية التي نطلبها ونبحث عنها.

هناك خيارات أمام كل إنسان في هذه الحياة إزاء مواجهة أحداثها؛ إما الاستسلام، وإما الهروب، وإما المواجهة، وكل منا له حرية الاختيار، والمواجهة وحدها هي الخيار الوحيد الذي يتكفل بمواصلة النضج والترقي في هذه الحياة والانتقال إلى مستويات أعلى في الفكر والوعي، وغير ذلك من خيارات ستبقينا سلبيين مستسلمين لنا نفسيات الأطفال وهذا حقيقة وليس مجازًا.

دعونا نخرج من كل هذه «الدراما» التي كان لا بد منها ونعود للحديث عن مرحلة (التفكير الإيجابي الحقيقي) والتي هي الحالة المزاجية الصحية والسوية التي نبحث عنها، والتي قاعدتها هي تعلم: «مهارة التعامل مع المخاوف والأفكار السلبية بالتفهم والمواجهة».

لافتة: المواجهة شجاعة وليست بالأمر الهيّن، والمواجهة تحتاج إلى قوة صدق، وعلينا حين نشعر بالألم أن نذكر أنفسنا أننا نفعل الصحيح وأن هذا الألم لمصلحتنا كي نكون أصح عقلًا وأصح نفسًا.

السؤال: كيف نتعامل مع مخاوفنا ونتفهمها ونواجهها؟

سؤال مهم: وسأجيب عليه بلغة رياضية: المخاوف (مستقبل) = معلومات عندي مسبقًا (ماضي) + معلومات تحدث أمامي الآن (حاضر).

بداية: عليّ أن أعلم أن لا أحد على وجه البسيطة يعلم الغيب، وما سيحدث في المستقبل غيب، ثم إن هذه المخاوف سابقة لأوانها والغريب أنها متعددة والواقع أن احتمالًا واحدًا صحيح، وغالبا ما سيحدث سيكون من خارج احتمالاتي.

فوظيفتي الآن هي كيف أتفاعل مع هذا الحدث وكيف أفسره، وعلي أن أعرف ما خبرتي الماضية التي تفاعلت مع ما أراه الآن، فأصحح إدراكاتي القديمة المشوهة، وأفصل بين الأشياء وأن أحكم بواقعية، مما يجعلني أكثر إدراكًا ووعيًا لما يجري في نفسي، ذلك بدل أن أترك نفسي تتصرف بطريقة أوتوماتيكية (هروب من ألم واقتراب من لذّة) بدون اختبار حقيقي للأمور، وأخيرًا يجب أن أعلم أن قراراتي هي التي صنعت حياتي، فعليّ أن أتحمل مسؤولية نتائج قراراتي، وأن أعلم أن استجابتي للحدث (الحاضر) ستأتي بنتائج أنا مسؤول عنها (المستقبل)، وليس الظروف والأهل والبلد وغيرها من شماعات نعلق عليها أخطاءنا وفشلنا.