إن تواصل الحياة بهذا النمط المرتب من العادات اليومية في مختلف ضروبها هو نتاج لتجارب نقلت بالتواتر من جيل إلى آخر، أو في نفس الجيل الواحد، لا يوجد في هذا العالم من يستطيع أن يعلم نفسه بنفسه، ولو كان هذا لما أرسل من خلق السماوات والأرض العلي غرابًا ليعلم هابيل كيف يواري سوأة أخيه.

الفرص متساوية في الحصول على قدر من العلم والمعرفة في جميع أوجه الحياة العملية والتعليمية، فيمكن أن تحصل على أستاذ مرموق في الانحلال الأخلاقي وميادين الشر، مثلما يمكن أن تحصل على آخر بارع الصلاح والتقوى والهداية، وما بين هذا وذاك تتوزع أوجه تعلمك للمعرفة ونقلك لها من مجتمع إلى آخر.

من الأقدار الجميلة أنني أتيحت لدي فرصة العمل تحت قيادة العملاق كلاوديو إيماندا بلال موسى، فالرجل الذي ينحدر من إقليم بحر الغزال جنوب السودان سابقًا، والذي أصبح وطنًا آخر بعد انفصاله لاحقًا في عام 2011، لقد كان هذا الرجل مرجعًا عظيمًا للسلوك الحسن، كان عنوانًا جيدًا للتفاؤل وكأنه أستاذ التطوير الذاتي الأمريكي المشهور ديل كارنيجي، فهو بذات الفهم وذات الإيجابية.

لدي الرجل حكايات أغلبها حكم وعبر وقليل منها إرشاد على شاكلة، دع الثرثرة وأبدأ العمل، أتذكر ونحن نتجاذب أطراف الحديث تحت ظل شجرة وارفة الظلال، وكان دائمًا حديثنا أكثر من أعمالنا كما هو حال أغلب مسؤلي هذا الزمان، كان كلاوديو ينصحنا دائمًا بأن العمل يبقي ويذهب الثرثرة وكثرة الكلام أدراج الرياح، وأن المجد يبحث في الأعمال، وليس الأقوال.

لا تبحث عن الفساد.. بل أصلح نظام الإدارة

يصر عزيزنا كلاوديو إيماندا أن مسائل الفساد المالي والإداري وما حولهما من الرشاوى والاختلاس وسرقة الأموال وغيرها ما هي إلا نتاج ضعف الرقابة، وأثبت لنا ذلك عمليًا بعد أن ساقته الأقدار ليصبح مسؤلًا ماليًا فكان بعينيه الجاحظتين رقيبًا مفزعًا لمن يبحث عن العبث والفوضى، ومن سخرية القدر أنني وبعد سنوات شاهدت أمثلة تؤيد ما قاله كلاوديو، وما كان مصرًا عليه، فتبين لي أن الفساد ماهو إلا مظهر من مظاهر سوء الإدارة، فلو كانت الإدارة جيدة في المؤسسة من رقابة ومراجعة لدولاب العمل اليومي في المكاتب والميادين كيف يحدث الفساد.

وأتذكر البروفسير جون بومبي ماغافولي الرئيس التنزاني كيف كان يراقب الأداء اليومي في بلاده تنزانيا، وبسبب الإرادة والرقابة كيف أن تنزانيا اليوم هي صاحبة أكبر معدل نمو اقتصادي في أفريقيا، فمن جرأة الرجل أن طرد 10 آلاف عامل فاسد في يوم واحد؛ بسبب تزويرهم للشهادات الجامعية؛ ففضحهم في وسائل الإعلام بالاسم، ونتيجة ذلك أنه حتى من كان فاسدًا ترك فساده؛ فالفساد أصلًا هو عملية طردية مع سوء الإدارة، فكلما زاد سوء الإدارة زيد الفساد.

قل كلمة الحق متي طلب منك ولا تهتم كثيرًا بما يحدث لك؛ فإن الله سيجعل الأمر جيدًا.

وفي ذلك يحكي أنه كان يعمل في الولاية الاستوائية بجبا حاضرة جنوب السودان حاليًا، فرصد حاكم الولاية ميزانية ضخمة لبناء صرح تعليمي جديد، وبعد أن وصله المبلغ من المركز، استخدم الأموال في أمر آخر وقام بتاهيل مبنى قديم في الولاية، وأنه غضب من هذا الأمر وكتب حيثيات ذلك إلى المركز، لكن قبض عليه من قبل حاكم الولاية شخصًا وهو متلبس بهذا الخطاب؛ فدعى الوالي لاجتماع عاجل، وخلاصة ما حدث أنه نقل من عمله إلى مكان أفضل بتوفيق من الله.

نعم إن لكلاويو إيماندا حكايات قيمة وعبر مؤثرة، في حضرته يعطيك إحساسًا أنه يملك قدرًا كبيرًا من الدنيا، ولكن بالعكس فهو يملك منها القناعة فقط، الرجل شكل جزءًا عزيزًا من حياة الكثيرين، بُعيد انفصال بلاده إلى شمال وجنوب غادر إلى وطنه تاركًا وراءه احترامًا كبيرًا ومحطات من الذكريات تقول: هنا تواجد يومًا ما العملاق كلاوديو إيماندا بلال موسى.