كثير من الأفراد والمؤسسات والجماعات في مجتمعاتنا رأت الحل لمشاكل الفرد والمجتمع في شيء ما، قد يكون خطة اقتصادية، أو فكرة لمحاربة الفساد، أو وحدة بين الدول، وحتى الشعارات الدينية استخدمت بعمومية على أنها هي الحل.

ولعلك قرأت وسمعت شعارات من مثل: الـ… هو الحل. ترفعها كل الأطراف المتصارعة في المجتمع من إسلامية وشيوعية وعلمانية.. إلخ، مع اختلاف في الكلمة التي تملأ الفراغ. والواقع المشاهد هو فشل كل هذه الأطراف المتصارعة في الحل، وبقيت مشاكلنا تزداد ولا تنقص.

كان عندنا دولة واحدة محتلة، فأصبحت خمس دول تحت الاحتلال، وكانت نغمة الوحدة العربية والإسلامية هي العليا، فأصبح الذي يتكلم بها الآن متخلفًا عقليًّا، وأصبحت صيحات الانفصال والتقسيم تسمع من كل جانب، وكان الشعب في الدولة الواحدة كتلة واحدة فأصبح الآن طوائف تكيد كل واحدة لأختها، وكان الأجنبي الغازي في السابق نسميه «مستعمرًا معتديًا» فأصبح الآن صديقًا مخلصًا ومحررًا لنا من طغيان أبناء جلدتنا !

كل هذه التغيرات بدأت تظهر وتتضخم تدريجيًّا في النصف الثاني من القرن العشرين مع قيام ثورات التحرر والاستقلال، حتى وصلنا إلى هذا الدرك الذي نحن فيه الآن، فما الذي جرى؟

نحن لا تنقصنا العقول التي تفكر وتبدع، ولا الثروات والمعادن، ولا الزراعة والغذاء، كل شيء متوفر في بلادنا! وقد مرت على شعوبنا حكومات ونظم مختلفة، وجربنا سياسات وخطط محلية ومستوردة، وحَكَمنا زعماء وطنيون، وعملاء، وبين بين، ومع ذلك نحن في تراجع!

هناك مشكلة في نظام التفكير الذي تربينا عليه، والذي ما زلنا نربي أبناءنا عليه دون مراجعة وتمحيص؛ لأننا نفترض ابتداء وبدون أي مقياس أننا (نفهم) الواقع ونتصرف بناء على هذا الفهم، ومن هنا تبدأ مشاكلنا، عندما نعتقد جزمًا، حكامًا ومحكومين، أننا فهمنا بما فيه الكفاية ونبدأ باتخاذ قراراتنا المصيرية بناء على هذا الفهم المزعوم.

لذلك أرى أن مشكلتنا ليست في فهم الواقع والتعامل معه فقط، بل في التعامل مع الفهم نفسه معنى وسلوكًا.

الفهم من أخطر الكلمات التي نستخدمها في حياتنا، ونحن نستخدمها باستمرار، فلا يكاد يمر عليك يوم دون أن تستخدمها مع غيرك، أو يستخدمها غيرك معك. فالآخر بالنسبة لك نوعان لا ثالث لهما: إما أنه يفهم أو لا يفهم، وأنت بالنسبة له من أحد النوعين.

والفهم مصدر من «فهِمَ، يفهمُ» ومشكلة المصادر أنها تعطي معاني وانطباعات في الذهن تختلف باختلاف العقول، ومهما عرَّفتها ستبقى عامة ومطاطة وقابلة للتأويل لمن يسمعها ويستخدمها.

لذا سأتكلم بالأمثال عن المعنى الذي أقصده من هذه الكلمة الخطيرة، والتي أزعم أنها قد ضُيِّعت في بلادنا وعلى كل المستويات، إلا القليل النادر ممن لا يؤبه لهم وليس بأيديهم أدوات التغيير. وسأبدأ بمثال معك شخصيًّا، وسؤال صريح :

من برأيك أفضل شخص في محيطك يفهم الواقع؟ هل هو صديقك- معلمك- رئيس الدولة- شيخ الجامع- الكاتب الذي تقرأ له…، أم هو أنت؟ لا تتواضع تواضعًا غير حقيقي، وقل الحقيقة، الجواب بلا شك هو أنت، ولو سألتني هذا السؤال لقلتُ: أنا .

في يقينك عقلًا وقلبًا أنه لا يوجد من هو أكثر فهمًا للأمور منك، أقول (فهمًا) وليس (علمًا) فأنت لا تستطيع أن تدعي العلم بكل شيء، لكن من السهولة أن تدعي الفهم، وأن تصف أعلم إنسان في تخصصه بأنه لا يفهم شيئًا، لأنه لا يرى رأيك!

ويمكنك أن تتأكد من كلامي هذا عندما تختلف في الرأي مع أي إنسان مهما بلغت درجة علمه، فإن لم يوافقك في الرأي فإنه حتمًا «لا يفهم»، لذا تسمع من مريض مثلًا: أن الطبيب فلان لا يفهم شيئًا، وتسمع من طالبٍ أن المدرس فلانًا لا يفهم، ومن فقير مضطهد أن كل من يديرون الدولة لا يفهمون.

ما هذه الخاصية السحرية التي لا تكاد تتوفر عند البشر، ولا يكاد إنسان على وجه الأرض يحصل على هذا الوسام بأنه «يفهم»؟ كلنا طبعًا ندعي الفهم برأينا، وكلنا في الوقت نفسه لا نفهم، حسب رأي الآخرين بنا، هل الفهم هو سلاح نهدد به مخالفينا في الرأي عندما نعجز عن إقناعهم برأينا؟ هل الفهم هو ميزة نفسية نفتخر بها ونحاول أن نثبت للجميع أننا نمتلكها؟ هل الفهم هو ملكة مستعصية متلونة مطاطة بحيث يمكن أن نثبته متى نشاء أو ننفيه متى نشاء؟

هل نريد فعلًا أن نفهم ونمارس الفهم؟ أم أن الطريق إليه متعب وشاق، لذا فنحن مرتاحون لعدم الفهم، ونريد إشاعة عدم الفهم ليكون اتهامنا صحيحًا دائمًا عندما نقول لأحدهم: أنت لا تفهم؟

أخذ الفهم في موروثنا الثقافي وفي تعاملاتنا الاجتماعية مكانة أعلى من العلم، وقد رسخ هذا المعنى في عقلنا الباطن حتى أصبحنا لا نغضب إذا قال لنا أحدهم أنت لا تعلمُ في كذا؛ لأننا فعلًا قد لا نمتلك العلم ونقر بذلك، لكننا نغضب إذا قال لنا: أنت لا تفهم في كذا «الموضوع نفسه»، لأننا نرى الفهم نقيض الغباء والسذاجة والتفاهة.

جرب إذا قلت لك: أنت لا تعلم شيئًا في نظرية الكوانتم، قد تجيبني: صحيح أنا لم أقرأ في هذا، ولا أعلم عنها شيئًا، لكن إن قلت لك: أنت لا تفهم شيئًا في نظرية الكوانتم، ستراها إهانة لأن عدم الفهم مقرون عندنا بالغباء والسذاجة والتفاهة، بغض النظر عن الموضوع الذي لا تفهم فيه. ثم أن قولي إنك لا تفهم نظرية الكوانتم يعطيك انطباعًا أنها فوق قدرات عقلك حتى لو شرحتها لك، بمعنى آخر أن عقلك أصغر من أن يتقبل هذا العلم، وهذا ما لا ترضاه.

أرأيت كم هي خطرة كلمة الفهم هذه، خاصة عندما ننفيها عن الآخر، وبالعكس فإننا إذا أثبتناها لشخص فإنه يراها مدحًا لا يعلو عليه أي مدح آخر. وهناك جانب آخر في مفهوم الفهم لا يقل خطورة عما ذكرنا، وهو أن الفهم لا مقياس له. مثلًا إذا وصفنا إنسانًا بأنه عالم في اللغة، هناك مقياس لذلك، مثلًا الشهادات التي حصل عليها، والبحوث التي كتبها، والطلاب الذين درّسهم.

لكن من الصعب أن تثبت لخصمه أنه يفهم في اللغة، خاصة إذا كان هذا الخصم ناقدًا متمرسًا؛ لأنه سيثبت لك بالأدلة أن هذا الإنسان قد درس اللغة، صحيح، لكنه لا يفهم فيها شيئًا، ولن يعجزه إثبات ذلك. كما ذكرت لك «الفهم» مصدر، وكل عقل يترجمه على هواه.

والآن سنناقش الفهم بالمعنى الذي نريده، لا الذي نتعامل به بالموروث الشعبي. أين المشكلة في عملية الفهم؟

مهما كان تفكيرك عميقًا ومعلوماتك كثيرة ستبقى عندك فراغات كثيرة وبيانات ناقصة، وهذه من خصائص البشر، فلا يمكن للعقل البشري أن يحيط بكل شيء، وهذه الفراغات والبيانات الناقصة هي التي تعطي مبررًا قويًّا للآخر «إذا عرفها» أن يصفك بعدم الفهم.

ومن هنا ندرك سر العصمة للرسل، ولم هي ضرورة في مناط التبليغ عن الله تعالى، فإن كان كلام الرسول وحيًا من الله تعالى، فهو معصوم عن الزيغ والنقصان والخطأ؛ لأنه صدر عن كمال العلم، وبُلِّغ بأمانة من الرسول. فليس لعمل العقل البشري فيه شيء، فلا يرِدُ عليه ما يرد على عمل العقل من نقصان.

ويبقى السؤال المهم: ألا يمكن إذن أن نفهم أو نقترب من الفهم؟ أما أن نفهم الواقع بصورة كاملة فهذه ميزة كمال لم تُعطَ لبشر، والكمال لله وحده. وأما أن نقترب من الفهم فهذا هو ما أريد أن أصل إليه معك عبر هذه السطور.

الفهم بالمعنى الذي نريد تقريره، هو إدراك الواقع على ما هو عليه، والاقتراب من الحقيقة قدر المستطاع، فإذا أدركت الواقع كما هو واقتربت من الحقيقة، سيمكنك أن تتصرف تصرفًا سليمًا. لذا فنحن نصف الخبير في صنعة ما بأنه «يفهم» في هذه الصنعة.

أنت تذهب إلى طبيب «يفهم» برأيك؛ لأنه أعطاك العلاج المناسب وشفيت، ولا تذهب إلى الآخر الذي «لا يفهم» لأنك لم تتحسن بأخذ دوائه «ولو كان الثاني هو أستاذ الأول»، أنت تذهب إلى الميكانيكي الذي «يفهم» لأنه عرف الخلل في سيارتك مباشرة وأصلحه. وهكذا فأنت تبحث عن الشخص الذي يحقق لك النتيجة التي تريدها مباشرة وبدون أن يتعبك لأنه «يفهم».

نخلص من هذا أن من دلائل الفهم تحقق النتائج الصحيحة، بغض النظر عن العلم والشهادات و…، وهذه الدلالة قد تجعل الطريق إلى الفهم صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا.

ما الطريق إلى الفهم؟ الطريق إلى الفهم يمر أولًا بالقراءة؛ فالقراءة هي كسب لخبرات عقول من الحاضر أو من الماضي، هذه العقول وضعت خبراتها على الورق لتستفيد أنت منها متى شئت. ولحكمةٍ عظيمة كانت الكلمة الأولى التي خاطبنا بها الله عز وجل هي «اقرأ»، وأكاد أجزم أن الذي لا يقرأ، لا يفهم، مهما علت به الرتب، وهذا مشاهد معروف لأولي الألباب.

– ومع القراءة استفد من الخبراء كل في علمه، واحذر من رأي الخبير خارج تخصصه؛ لأننا في عالمنا العربي اعتدنا على الفُتيا في كل موضوع، فتجد عالم الشريعة يتكلم في نظريات السياسة، والطبيب يتكلم في البناء والعمارة، والمهندس يتكلم في الطب والدواء، ولا تكاد تجد شخصًا لا يتكلم في كل شيء. لذا أكرر، استفد من الخبير في تخصصه فقط لتصل إلى الفهم.

– انظر إلى القضية التي تريد أن تفهمها من كل الزوايا، لا تنظر إليها من الجانب الذي يريحك وتهواه نفسك فقط؛ لأنك ستبتعد عن الفهم حتمًا، وقدر كل الاحتمالات الحسن منها والسيئ، ولا تستعجل الحكم واتخاذ القرار حتى تحيط بالأمر من كل جوانبه قدر ما تستطيع.

– إياك أن تحتقر رأي المخالفين لك، فقد يكون فيها ما ينير لك طريق الفهم، واسمع آراء الآخرين لتفهم لا لترد عليها، ولا يغرك كثرة المؤيدين لك فقد تكون المصلحة الشخصية هي السبب في تأييدهم وليس صحة موقفك أو دقة فهمك.

– استفد من أخطائك، ولن تستفيد منها حتى تعترف أولًا أنك أخطأت فعلًا، أما المكابرة والعناد والإصرار على الخطأ فسيؤدي بك إلى مزيد من سوء الفهم، راجع أفكارك، راجع مواقفك وقراراتك، راجع خططك، وهذه المراجعات تكون دائمة ومستمرة ولا تتوقف.

– النتائج مطلوبة في الحياة الدنيا، إياك أن يخدعك أحد بالقول إننا مطالبون بالعمل ولسنا مطالبين بالنتيجة، فمن يقول هذا الكلام يكذب ولا يطبقه في واقع حياته؛ لأنه إن لم يحصل على المال من عمل سيغيره، وإذا فشل في محل تجاري سيغلقه ولن يقول إن عليِّ العمل ولست مطالبًا بالنتيجة؛ لأنه إن فعل سيراه الجميع مخبولًا وسيموت من الجوع، لذلك انتبه إلى أن دلالة فهمك للحياة، ولواقعك أن تحقق النتائج، قد لا تكون النتيجة بالحجم الذي تريده، لكن لا بد أن تكون هناك نتيجة بنسبة ما، وإلا سيكون عندك مشكلة في الفهم ويجب أن تتداركها.

وأخيرًا

الفهم طريقه صعب لكن عواقبه سليمة ومريحة وممتعة والحياة لا تعطيك مجانًا. وعدم الفهم طريق مريح ومغرٍ لكن عواقبه خطيرة ولا يمكن إصلاحها أحيانًا.

ولو راقبت بدقة كل الأفراد والتجمعات الفاشلة في الحاضر والماضي ستجد قاسمًا مشتركًا بينهم، هو شيوع عدم الفهم، بل قطع الطريق أمام كل من يريد أن يفهم الأمور على حقيقتها، وهذه سنة كونية من أغرب السنن التي لا يتعظ بها البشر، فتجد الظالم يسير على خُطى الظالم الذي سبقه، والمجرم يسير على خطى المجرم الذي سبقه، والحزب الفاشل يسير على خطى الحزب الفاشل الذي سبقه؛ لأن نعمة الفهم قد نزعت منهم.

وهذا ما حفزني لأقول لك: افهم وأعن غيرك على الفهم؛ فهذا هو الطريق الآمن الصحيح. وهذا ما حفزني لأردد وبكل ثقة أن: الفهم هو الحل.