نسمع كثيرًا ونرى مدربي التنمية البشرية والمتخصصين في مجال التحفيز، وفي الكثير من الكتب، يتحدثون عن التفكير الإيجابي، وكيف تكون إيجابيًّا، وبعبارات كثيرة مثل: كن إيجابيًّا، فكر بإيجابية، لا تكن سلبيًّا، لا تسمح لأحد أو للظروف أن تحبطك… إلخ، وبأساليب فيها تكلف ومبالغة أحيانًا، ذلك كله جيد، ولكنه يجعل الأمر أشبه بالهوس، وأحيانًا القلق للبقاء والوصول إلى الإيجابية، والتي تعني حالة ذهنية متفائلة ومستقرة، نتوصل إليها بالعلم والفكر والتأمل لتغيير الحياة وتحسينها، ومواصلة التقدم فيها.

هم مشكورون على جهودهم -الكتّاب والمدربون والمحفزون- لكن هل هذا كافٍ؟ وهل هذا منتهى ما في أيدينا من حلول للوصول لحالة ذهنية إيجابية، تعيننا على الترقي والصعود في الحياة؟ وهل هناك مرحلة نكون فيها أكثر ارتياحًا وإيجابية دون استخدام هذه الأساليب المتكلفة؟

بداية: نحن لا نقلل من عملية التفكير الإيجابي وتعلمه وتعليمه، ولا ندعو إلى الاستسلام للسلبية، ورؤية العالم بعيون سوداوية، لكن هذه الأساليب الكلامية «كن إيجابيًّا، وفكر بإيجابية، وغيرها» غير كافية، لأنها تتعامل مع العرض وليس مع المرض -إن جاز التعبير- ولذلك نرى مفعولها آنيًّا ومؤقتًا «مثل مسكّن الألم»، ثم سرعان ما نعود لحالنا المعتاد.

ولنفصل أكثر: نسأل سؤالًا: ما الأسباب التي تدعونا إلى التفكير بإيجابية أصلًا؟

الإجابة تحتاج منا إلى تأمل عميق في ذواتنا، كلٌ له أسبابه، لكن عند التدقيق نجد أن هناك قاعدة مشتركة، وسببًا وحيدًا يدفعنا إلى التفكير بإيجابية، وهو: «المخاوف والأفكار السلبية».

المخاوف والأفكار السلبية، إذن التفكير بإيجابية عبارة عن رد فعل لتفكير سلبي، وبالتالي التفكير الإيجابي ليس شيئًا أصيلًا في الذات، إنما هو مقاومة ورد فعل للتفكير السلبي.

فالتفكير الإيجابي ليس منتهى الحلول، لأننا عرفنا المشكلة، وهي أننا نهرب من التفكير السلبي إلى التفكير الإيجابي، لذلك علينا الغوص أعمق في نفوسنا، وتفهم أسباب أفكارنا السلبية ودوافعها، وتحجيمها وإحكام السيطرة عليها.

لافتة: لا يمكن التحكم التام بالأفكار السلبية، وبشكل كلي أو إيقافها، ومن يفرغ نفسه لذلك فهو يسلك طريق الجنون والوساوس القهرية.

إذن، الإجابة: نعم يوجد هناك حلول أخرى، وهناك مرحلة أكثر رقيًّا للوصول إلى الإيجابية بدون مقاومة، وبدون مجهود ذهني يشتت ويرهق.

لنصطلح بيننا مصطلحين:

ت. الإيجابي الوهمي «المسكن»: وهو التفكير المقاوم للتفكير السلبي، وهو عبارة عن ردة فعل، وهو غير أصيل.
ت. الإيجابي الحقيقي «العلاج»: هو التفكير النابع من الذات، مع السيطرة على الأفكار السلبية وتقليلها.

فنقول: إن «ت. الإيجابي الوهمي» له فوائده، وهو مهم خصوصًا في بداية خروجنا من مستنقع السلبية، ولكنه محدود، وهناك شيء أرقى وأفضل، ومهما يكن، فهو أفضل من البقاء في مستنقع السلبية والاستسلام لكل ما «هب دب» من خواطر وأفكار سوداوية، ومن الطبيعي في سبيل الترقي ومن يطلبه، الانتقال لـ«ت. الإيجابي الحقيقي» فهو غير محدود الآفاق، ويكون فيه الشخص متحررًا من كل قيد، وغير متأثر بأي شيء من خارج ذاته، وسيكون في حالة إدراك ووعي أكبر، وسيرى الأمور على طبيعتها بدون تشوهات إدراكية، وهذه التشوهات نتيجة عملية مقاومة الأفكار السلبية، التي تتطلب مجهودًا ذهنيًّا عاليًا، مما يعيق رؤية الأشياء وإدراكها على حقيقتها.

بينما «ت. الإيجابي الحقيقي» يكون الذهن فيه في حالة هدوء وسكون، والنفس فيه في حالة اطمئنان وسكينة.

ولو أردنا أن نعبر عما ذكرناه بالمراحل ستكون كالآتي:

المرحلة الأولى «التفكير السلبي»، المرحلة الثانية «ت. الإيجابي الوهمي»، المرحلة الثالثة «ت. الإيجابي الحقيقي»، هذه مراحل إجمالية، ودون الدخول في التفاصيل، فلكل مرحلة درجاتها.

وبناءً على ما تقدم، فإن الترقي للمرحلة الثالثة مطلوب، لمن أراد حياة إيجابية حقيقية، ومجهودًا ذهنيًّا أقل، وبالتالي إنجاز المهام بارتياح أكبر، وبنتائج أفضل.