يعتبر موضوع التربية موضوعًا ذا أهمية كبرى في حياة الإنسان الاجتماعية، لما تحملها من ميكانزمات ومقاربات ضرورية لتكوين فرد قادر على فهم ما يدور حوله، ويجعل من البيئة التي يكبر فيها بمثابة متنفس يجد فيها ذاته، ومن بين المواضيع الفرعية التي تهتم بها التربية هو موضوع التنشئة الاجتماعية، التي وصفها إيميل دوركهايم بتلك العملية التي بموجبها ينقل الكبار للصغار الإرث الثقافي للأجيال السابقة؛ من أجل أن يستمر المجتمع بصورة نسقية موحدة.

ويظهر مفهوم التنشئة ظهورًا بارزًا في المؤسسات ذات الأبعاد الاجتماعية، والتي تتمثل في المدرسة والأسرة ولعل هذه الأخيرة باعتبارها مؤسسة اجتماعية ذات دور يكتسي كل الأهمية في تكوين الفرد، تحت شروط عاطفية وسيكولوجية ومادية وجودية سابقة لوجود ذلك الفرد المتمثل في الطفل الذي يمثل البرعم الذي سيحمل هوية تلك الأسرة في ما هو آتٍ، لكن وكما ذكرت سابقًا هناك شروط تحكم هذا الوجود، والتي ينبغي ألاَّ تعرف أي خلل قد يتولد عنه فرد بعيد عن السواء.

«ليس هناك ما هو أنبل من أن نكون أطفالنا ولكن كم تنطوي حيازتهم على ظلم»، انطلاقًا من هذه القولة للفرنسي جون بول سارتر التي تحمل في ثناياها مصطلحًا يحيل على الكثير من الأهمية التي تكتسيها تربية الطفل، ألا وهو مصطلح التكوين، يمكن مقاربة مسألة التربية أو المشروع التربوي للطفل.

قبل أن يأتي الزوجان بذلك الطفل ينبغي أن تتوفر شروط ضرورية، واستعداد أولي، وتبني القصدية في إنجاب ذلك الطفل، لأن الإنجاب هكذا اعتباطيًا وفقط من سمات الحيوانات، فليس كل من يلد يستحق أن يكون مربيًا أو يستطيع أن يكون مربيًا. قبل أن تربِّي يجب أن تكون هناك شروط، وقبل أن نتحدث عن مكمنة الأهمية لهذه الشروط نعطي أمثلة:

– مراهقة أخطأت فأنجبت طفلًا عن علاقة غير شرعية، ولو فهمت ما كانت تفعل لما وقعت في ما وقعت فيه. هل هذه الطفلة بعد الولادة سوف تتوفر فيها شروط الأمومة؟
– زوجة أنجبت بالخطأ؛ لأنها كانت تستعمل أدوية مضادة للحمل ولكن هذه الأدوية لم تعط أي مفعول فوقع الحمل، أي لم يكن هناك تخطيط مسبق. هل يمكن لمن وجد بالصدفة أو الخطأ أن يُربى؟
– فتاة تزوجت رغمًا عنها وتحت ضغط العائلة لكي تظهر بصورة المتزوجة في مجتمع لا يعرف معنى الرغبة الذاتية. هل هذه الفتاة تستطيع أن تكون أمًّا؟
وغيرها من المعايير الأولية التي ينبغي أن تتوفر لكي يربى الطفل تربية ملائمة.

أما الشروط وهي الموضوع الأبرز في تربية الطفل، والتي يكمن أولها في الشرط العاطفي، فحينما يبلغ الحب منتهاه بين الرجل والمرأة، يفكران بأن يسموا بحبهما الجسدي بطفل يسمو على حياتهما ويكون ثمرة حبهما، ويكون هذا الطفل هو التجلي الرقيق لهذا الحب –فما أقسى أن يتزوج الفرد بدافع العادة– إذن الشرط الأول يتجلى في الإشباع العاطفي بين الزوجين.

الشرط النفسي أو السيكولوجي يبدأ بالتصالح مع الذات، لا بد أن يحب الشخص نفسه ويكون متصالحًا مع ذاته، بمعنى لا يؤذيها ولا يصيبها بالضرر، فالشخص الذي يحقق الاستواء مع النفس لا شك أنه سيعيد إنتاج التربية التي تلقاها، فنفسية الطفل عندما يسمع عبارات تَغزل وحب من أبيه لأمه يشعر بالفرح، والعكس صحيح.

الشرط المادي الوجودي، الطفل لم يختر وجوده، ولم يختر أن يأتي إلى هذا العالم، ولكن الزوجين هما من استحقا هذا الوجود. الطفل كذلك قبل أن يأتي ينبغي أن تكون هناك إمكانية كلية لتلبية حاجياته المادية، مثل المأكل والمشرب والملبس وغرفة النوم واللُّعب… فعلى سبيل المثال لا يمكن أن يُؤتى بطفل ما إلى هذا الوجود والمسكن الذي يسكن فيه هذان الزوجان لا يتوفر إلا على غرفة نوم واحدة ومطبخ، أي هناك افتقار للبنية المنزلية المتكاملة؛ لأن تلك الغرفة بمثابة هوية لذلك الطفل والشيء نفسه في الملبس.

إن الشرط العاطفي والوجودي من أخطر الشروط التي قد تؤثر في تربية الطفل والتنشئة، وأي خلل في هذه الشروط تجعله بعيدًا عن السواء، وتحتم عليه التساؤل عندما يكبر، لماذا أنا موجود؟ ليس على الطريقة الديكارتية وإنما بالمنطق الماركسي، إذا كنتم غير قادرين على أن توفروا لي كل ما أحتاجه للعيش الكريم فلماذا أوجدتموني؟ ولو استشرتم معي لقلت لكم لا رغبة لي في الوجود.