من منا لم يعشق، من منا لم يعرف طعم الحب، من منا لم يجعله الحب طفوليًّا يجري بين حقول السعادة، مناديًا حبيبه أنت روحي وعمري وقدري، من منا لم يبك ويحزن ويجعل الليل رفيقه الدائم، هذا الحب الذي يجعل قلبك صافيًا وطاهرًا، وكأنك أسلمت روحك ونفسك إليه، وكأنه دين جديد شعائره الإنسانية، وصلاته اللهفة على الحبيب، وحجه الهروب من الدنيا إلى المعشوق، وصومه عدم الخيانة، لكن هذا الحب رغم أنه سعادة تامة، إلا أنه يسمح للتزييف والمزيفين بدخول إليه، أو أن ارتباطه بالقدر يجعله ضمن ما كتبه القلم الإلهي، يعني ليس للعاشق إلا أن يسلم نفسه للحكمة الإلهية، الحب منذ خلق الكون كان سببًا لتقرب الشعوب، وجمع الناس تحت مائدة السعادة، وهو من أكبر الوسائل لاستمرارية الكون؛ لأنه يجمع بين جنسيين الذكر والأنثى حينما يمارسان شريعة دينية اسمها الزواج.

لكن الفاشلين في الحب ما زالوا يحلمون به كما روى عنه التاريخ، والفائزون بالحب يريدون أن يسطروا سطورًا رومانسية يضيفونها لتاريخ، إلا أن الأزمنة تغيرت والأماكن لم تعد مثل السابق، والأفكار تجددت، والحرمة والاحتشام أصبحت موضة قديمة، ولم يعد من الحب سوى كلمات معسولة للحصول على الجسد، ماتت روح الحب، وشهد العالم ميلاد الجنس بدون روابط دينية، أي الدعارة التي أصبح لها سجل تجاري في بعض البلدان العربية.

قررت أن أكون ملحدًا بالعشق؛ لأني رأيت أن الخيانة أصبحت عادة ظريفة،أصبحت مثل الطقوس اليومية للحياة الفردية التي تختص البشر، أو بمعنى أدق قديمًا كان الحب يجعل الإنسان وافيًا ومخلصًا ومحترمًا، في زماننا هذا الذي نبكي فيه دائمًا على حالنا، أصبح الحب مجرد احترام، ممكن يكسر عند أي رغبة جنسية، أو حاجة مالية، أو تعلق وهمي بالجسد، وكأنها تعاليم حيوانية ليس فيها شبر واحد يجعلها إنسانية، وإن كُشفت الخيانة ستفسر بطريقة شيطانية «أنا امرأة ضعيفة وعندي راغبات»، أو إذا نطق الرجل مفسرًا الخيانة «أنا رجل والشرع الديني حلل لي أربع زوجات»، فلماذا أصبحت الخيانة ثقافة يومية بدل أن تكون صفة غير محمودة؟ هل التحرر عجل بوفاة الحب بشعار المتعة في الحياة، أو العهر الفكري قدس الدعارة التحررية من كل القيود الدينية التي كان ينظمها الدين لتكون إنسانية وليست حيوانية؟ يقول أحدهم: «إن الله خلق الملائكة عقلًا بدون شهوة، وخلق الحيوانات شهوة بدون عقل، فأيها الإنسان إذا استعملت شهوتك في مكان محرم كنت حيوانًا، وإذا استعملت عقلك قبل شهوتك كنت مثل الملائكة».

أحدهم يخون باسم «المال»، والآخر بشعار السلطة، والآخر برعاية النفوذ، وكل محتال له تفسيره في هذا الكون، إلا أنهم يكبرون ويسألون عن الشرف لماذا حرموا منه، في تلك الدقيقة سيجدون أن سيرتهم المعفنة كتبها التاريخ بلغته الصريحة والواقعية، وقد قام بتصنيفهم في خانة «رجال ونساء عاهدوا على موت الشرف»، صحيح خلقت الحياة من أجل أن نتمتع بمزاياها،لكن خلقت معنا نحن البشر صفات محمودة إلهية أكرمنا الله بها، والمصيبة أننا نعرف سبب خلقنا لقوله سبحانه تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» لكن حتى التعاليم الدينية أصبح يروج لها أنها تخلف وتعيد الإنسان 15 قرنًا إلى الوراء، لهذا لا يجب أن نسأل عن أخبار القتل في العالم بطريقة وحشية؛ لأن معظمهم يقدم رغبته الجنسية على عاطفته الرومانسية باسم التحرر العهري، لهذا أصبحت نسبة المحبة والعاشقة والتي تبحث عن الحب في انقراض مستمر، كون أن الحب أصبح عادة قديمة يتهم بها صاحبها بتخلف والتراجع إلى سنين الخرافات، والخيانة لم تعد خرقًا للوفاء والإخلاص، وإنما هو خطأ بسيط كسر الاحترام، وأن أي ردة فعل أو موقف يؤخذ في حالة الخيانة يعتبر خرافة ودراما سينمائية، ومع هذا الحب مرتبط بالخير، والخيانة مرتبطة بالشر، وصراع الخير والشر صراع كبير له قرون عديدة، ومع أننا لم نشهد على معركة فائزة للخير على الشر في هذا العالم، إلا أننا متفائلون أن عودة الخير والحب إلى هذا العالم مجرد وقت.