دائمًا ما يفرز اعتياد الشيء، طابعًا يفقد تأثيره في داخل الإنسان، خاصةً إذا كان اعتياد الشيء ليس فصلًا في الحياة، أو شهرًا في السنة، أو يومًا في الأسبوع، وإنما كان يوميًّا وفي اليوم أكثر من مرة، ولكن تظل لمواكب تشييع الشهداء هيبتها الذي لا يمكن اعتيادها، ويظل لها خاصية لا يمكن تشبيهها بحدث ما، مواكب الشهداء التي تزفّهم فلسطين كل يوم، وفي اليوم أكثر من شهيد.

ورغم أني فلسطينية، لم أجرؤ يومًا على المضي في جنازة شهيد، وإذا اضطررت فإني أحاول ألا أنظر إلى مراسم تشييعه كاملة، بلادي محتلة منذ أكثر من 70 عامًا، ومنذ احتلالها -وبالأحرى قبل الاحتلال- وهي تسجل عشرات الشهداء الذين قضوا دفاعًا عن قضية يؤمنون بعدالتها، في زمن ساد فيه الحق للقوي فقط، وليس لصاحب الحق.

مواكب الشهداء اليومية لم تستطع أن تخلقّ في داخلي اعتيادًا على الأمر، فكل شهيد له قصة حياة كاملة، ليس وحده يملكها، إنما تملكها أم، وربما زوجة، وأطفال، وعائلة، وأحباب، يتركهم مغادرًا الأرض وهم ينظرون إلى السماء باكين الحدث الجلل، ورغم ذلك لا يملّ الفلسطينيون تشييع شهدائهم، أو جعل الأمر روتينيًّا عاديًّا وحدثًا لا بُد منه! نحن ما زلنا نفقد شبابنا وشاباتنا موتًا أو أسرى، والفقد في كلا الأمرين مؤلم.

ما لا أستطيع احتماله شخصيًّا -رغم عملي في الصحافة، وتكرار المشهد الماثل أمامي من شهيد مضرج بدمه، وأم وزوجة ثكلى، وأطفال لا علم لهم بحقيقة الواقعة- رؤية جسد مسجى بالعلم الفلسطيني تعلوه الورود، وكأننا نقول للشهيد دمك أنبت هذا الزرع، أطفال وشبان يهتفون، وتكاد حناجرهم تنفجر من عمق ضجيجهم، يهتفون للوطن، للشهيد، لأم الشهيد، لأخته، وربما لحبيبته أو زوجته وأبنائه، وهم يدركون أن هذا الهتاف لن يكون أكثر من مجرد لغة لا تفي المكلومين بالفقد شيئًا، ما لا أستطيع احتماله أيضًا حجم الفقد الذي عاشه، وما زال يعيشه الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وما زال يلحّ بالتضحية طلبًا بالحرية، فمَن الذي يمكن له أن ينتصر على هذا الشعب؟

من نافذة مكتبي وقفت قبل أيام على مرور موكب تشييع شهيد، تعمدتُ النظر إلى الموكب، دموعي التي انسكبت بحرارة وأنا أشاهد الشهيد محمولًا على الأكتاف غفت عيونه ولا حراك، كانت دلالات على صراعات داخلية أحياها مع نفسي، تساؤلات تطرح نفسها بقوة على عقلي، أهمها «كيف يرحل الشهداء؟» وبينها «كيف ستقضي الأم المكلومة سنين عمرها وقد فقدت فلذة كبدها -أغلى ما تملكه الأم على وجه المعمورة- الزوجة متناثرة الروح، كيف ستكمل مسيرتها في الحياة دون شريكها في الحياة الزوجية، وهي التي اختارته ليكون سندها على الصعب، كيف أصبح هو الصعب بذاته حين الفقد؟!

الموكب يمرّ وأنا أحاول استيعاب ما يدور في خلد كل من المشاركين في هذا الحدث، أولهم الشهيد، أحاول أن أستحضر حياته وهو محمول على الأكتاف، ربما يقول للمشيعين رحلتُ وأنتم المدد، خلد المشيعين وكأن كل واحد منهم يريد أن يقول بهتافه للشهيد، لن ننساك قد حفظنا الوصية، يتسارعون لتقبيل جبينه، وكأنه شرف ما سيلحق بهم، يلتقطون له الصور ينعونه على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يعودون أدراجهم ليخرجوا مرة أخرى في موكب تشييع شهيد آخر، وعلى هذه الحال نمضي منذ عشرات السنين، وإذا كنتَ عزيزي القارئ/ـة تدرك أحوال القضية الفلسطينية، ربما سمعتم بالرابع عشر من مايو (أيار) المنصرم، وارتقاء أكثر من 50 شهيدًا ضمن مسيرات العودة في قطاع غزة على يد رصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، لكم أن تتخيلوا المشهد بكل عناصره!

يومًا ما كرّم الشهيد وطني فلسطين، سيقال في التأريخ «يومًا ما كانت الكرامة تباع بالدم لا بأي ثمن آخر، يومًا ما كان الثمن باهظًا جدًّا، ورغم ذلك قدم الشعب الفلسطيني هذا الثمن في سبيل الحرية والتحرير، يومًا ما لم يبخل الفلسطيني على وطنه بحق الدفاع عن أرضه، يومًا ما بكت السماء واحتضنت الأرض الشهداء، يومًا ما كانت ثمّة كرامة اسمها الشهيد، وثمّة وطن اسمه فلسطين».