في رحلتنا المضنية إلى حاضرة وزهرة ظفار لم نفقد شغفنا إليها، برغم أن الألف كيلومتر بين مسقط وصلالة مضت كسلى متراخية، وبرغم إزعاج ذلك الطفل الذي وددت أنه خرج وأمّه من الحافلة، وبرغم خطورة ووحشة الطريق التي تمضي باتجاه واحد عبر صحراء الربع الخالي وما فيها من ريح تعسف بكثيبات الرمل فتلقيها بشغب في طريقنا، وتلفح وجوهنا إذا هبطنا من الحافلة برياح ساخنة مختلطة بحبّات رمل وخزت وجوهنا؛ برغم كل ذلك بقي الشغف بالرؤية البكر لصلالة حاضرًا بقوة.

ببطءٍ شديد مضت 10 ساعات حتى بلوغنا «ثمريت» التي تبعد 80 كيلومترًا عن صلالة. كنت أتوقع أن يبدأ الغطاء النباتي بالاتساع تدريجيًّا بدءًا من ثمريت تمهيدًا جغرافيًّا ومنطقيًّا لبساط الخضرة الذي يغطي أرض صلالة كما رأيته في الصور. لكن ثمريت لم تختلف عن أمها صحراء الربع الخالي، وكانت امتدادًا لها؛ ولذلك فإن ثمريت تعد باديةً لظفار.

غابت ثمريت وراء ظهورنا، ولا أتذكر متى بدأت خضرة صلالة بالظهور، لكنني متأكدٌ أنها ظهرت على حين غرّة، لتتفرد في عُمان كغُرّة بيضاء في خيل أدهم (أسود). لقد رأيت بأم عيني ذلك فجأة وأدهشني التناقض الصارخ بين صلالة وبين ما قبلها من حيث التضاريس والمناخ، وما يفرزه ذلك من جمال خصّ الله به صلالة دون جزيرة العرب. تذكرت ما قرأت وسمعت عن نظريات تفسّر أعجوبة هذه الواحة المتاخمة لأقسى صحراء في العالم؛ فقد أكدت بعض مسوحات الأقمار الصناعية العلمية فوق المنطقة أن صحراء الربع الخالي قبل عشرات آلاف السنين كانت غابات وأنهارًا، وأنها في دورة مناخية قادمة ستعود كما كانت، وذلك مصداقًا للحديث النبوي الصحيح الذي يقول فيه الصادق المصدوق-صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» «رواه البخاري ومسلم». ولهذه النظرية أنصارها من الجيولوجيين مثل الدكتور إبراهيم أحمد رزقانة، والأمريكي هال ماكلور في رسالة دكتوراه كتبها عن الربع الخالي. وبالتالي فإن صلالة بقيت أثرًا من تلك الغابات والجنات التي تغطيها رمال الربع الخالي.

دعنا من ملايين السنين، ولنعش الواقع الجميل لدى دخولنا صلالة؛ فعلى سفوح جبالها تكحلت عيوننا بخضرة امتزجت بغيوم دنت منا وحيّتنا برذاذ لطيف ومنعش، كما يستقبل أهل الخليج ضيوفهم بنثر ماء الورد عليه من أوعية يسمونها «الغِرَش». وكلما صعدت بنا الحافلة تلفحت جبال صلالة بالمزيد من المزن المكتنزة بالقًطر، واتصلت ببعضها مُشكّلةً غلالة من الحرير الأبيض تشفّ عن زمرد أخضر خلفها. توترنا بسبب الضباب، لكن سائق الحافلة لم يفعل! بل كان يروي الطرائف في يوم يراه عاديًّا في خريف صلالة الذي يقع بين 21 يونيو (حزيران) إلى 21 سبتمبر (أيلول) من كل عام. كانت درجة الحرارة تشير إلى 26 في حين كانت تقترب في ثمريت آخر عهدنا بالصحراء من الأربعين درجة مئوية.

نزولًا إلى مركز صلالة بدأت تتخلص سفوح الجبال من غلالتها الحريرية، وصرنا أكثر قدرة على استكشاف التضاريس المكسوة بدرجات متفاوتة لكنها متناغمة من اللون الأخضر المبهج والمسبّح باسم ربه قرب وقت المغيب، كان ذلك أول عهدنا بعاصمة أرض اللبان والبخور.

ذكرت ثالوث الجمال في صلالة الذي يكمن في جبالها وخضرتها ومناخها، لكني وجدتها تحظى من ربها بسر رابع وآسر هو الماء؛ فهي تطل على بحر العرب الذي هو جزءٌ من المحيط الهندي، بل إن ظفار هي بوابة عُمان على هذا المحيط المهم، وبذلك فإن الخضرة والجبال تجاور واحدًا من أجمل البحار، لا سيّما عندما تكون الجروف الصخرية الحادة للجبال وجهًا لوجه مع أمواج المحيط العاتية في مناطق مثل شاطئ المغسيل قرب درب اليمن، وللماء مع صلالة قصة أخرى، إذ تنحدر من بعض جبالها شلالات نقية مثل شلالات وادي دربات، وفي صلالة عيون ماء كالروح بالنسبة للجسد تملأ أوديتها بالحياة مثل: جـرزيز وصحلنوت ورزات وأثوم وحمران، تلك بعض العيون من بين أكثر من 360 عينًا تنتثر في ظفار.

دخلنا إلى قلب مدينة صلالة لنجد وجوه أهلها وزوارها مألوفة لدينا، تربطنا بهم روابط الدين واللغة، فلا يؤذي بصرك في فنادقها وأسواقها وشواطئها تبرّج، أو تعرٍ، أو موضات شاذة ومنكرات ظاهرة تنغص على السائح المسلم وعائلته الترفيه المباح، وبهذا فإنها وجهة سياحية صديقة للعائلات المسلمة، ويجتمع فيها الماء والخضرة ووجوه أهلها الطيبين. فقبل الأرض والشجر والجبل والحجر هناك البشر الذين تتزيّن بهم أرض عُمان، بل هم أجمل ما فيها بما يتمتعون به من دماثة خلق، وتواضع جمّ، وسعة صدر، واحترام وإكرام للغريب.

«لا يخلو قوم من لئام؛ لكن لم يصادفني خلال السنوات التي قضيتها في عُمان أحد هؤلاء!» هذا ما يقوله مدير لمصنع رخام في مسقط تعامل مع كافة شرائح المجتمع العماني في ربع قرن من الزمان، وجاورهم فوجدهم من أحسن الناس أخلاقًا، وألينهم عريكة، وخيرهم جوارًا. ولذلك فإني لم أجده ادعاءً فارغًا، ولا تمسحًا زائفًا من القائمين على مطار مسقط الدولي أن يُسطروا على جدار صالة القادمين حديثًا نبويًّا صحيحًا يقول: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ»، فلهم الحق أن يفخروا بشهادة النبي –صلى الله عليه وسلم– في حقهم لأنهم جديرون بها؛ وقصة الحديث أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– بعث رجلًا إلى حيٍ من أحياء العرب، فسبّوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأخبره فقال له: «لو أنّ أهلَ عُمان أتيتَ ما سبّوك ولا ضربوك». يقول القرطبي – رحمه الله- في شرح الحديث: «يعني: أن أهل عُمان قوم فيهم علم، وعفاف، وتثبت… –حتى ينتهي بقوله– هم ألين قلوبًا، وأرق أفئدة».

زيارتي أنا وزوجتي لعُمان كانت في صيف عام 2016؛ مما جعله أجمل صيف عشته في خريف عمري، تلك الزيارة الميمونة استقرت شمالًا جهة قلبينا، وصعّبت على كلينا حينها وداع عُمان، وحرّكت مشاهدتنا لصورنا في صلالة حزننا عندما شاهدنا صور الأماكن ذاتها بعد أن اجتاحها إعصار «ماكونو» في مايو (أيار) 2018، لكن زهرة عُمان الجميلة وإرادة ساكنيها سيتفوقان بإذن الله على آثار الإعصار، تمامًا كما تمكن أهل مسقط من إعادة إعمار ما خرّب إعصار «غونو» عام 2007.