تحررت نسمات الليل من قيود الظلام، لتنشر عبير مرورها على أهل المدينة المخطوفة التي نسيت من القريب قبل البعيد ومن الصاحب قبل العدو، تمرُّ بنفحاتها الحانية تربّت على أكتاف الرجال المنحنية ظهورهم همًّا فوق همّ، تمرّ على قلوب الشباب التي جثم اليأس والإحباط عليها كالجبال الراسيات، تمرّ لتمسح دمع النساء الباكيات، تمرُّ لتجبر كسر قوارير رقيقات، تمرُّ لتداعب عيون أطفال بريئات. فالمدينة لم تخطف في هذا الليل فحسب؛ بل إنها خطفت من أزمان وأعوام وليس للزمن وغفلته ذنب، بل الذنب ذنب من ساس البلاد وتوسّد كرسي الحكم. بعد أن خاض الناس في نهارهم حروبًا ومعارك مع السجّان، عادوا ليريحوا الجسد لا العقل ولا النفس؛ فهذان لن يرتاحا إلا بالحرية التي باتوا يناجونها في ظلمات ليل يخافون وشاية الواشين فيُطاح بالرأس وتزهق النفس حتى ولو كان شكًا. فالحقيقة دائمًا هي الضحية ولحد الآن.

لم يبق في المدينة إلا أعداد قليلة من أجهزة (الستلايت) في بعض الدور أخفوها من عيون التنظيم الإرهابي المتجسّسة عليهم ليلًا ومتربصة بهم نهارًا، بعد أن قطعوا كل وسائل التواصل مع الخارج من شبكة الإنترنت والهواتف النقالة، وكان من يعثر في حوزته على شيء من ذلك؛ فالسيف أسبق إلى رأسه من صوت المحذّرين والمنذرين، فبات (الستلايت) هو النافذة الوحيدة التي يستطيعون معرفة ما يدور خارج جدار السجن الكبير الموضوعين فيه بحكم لا يعرف النفاذ ولا المدة. 15 يوليو (تموز) 2016 الساعة 22:00 بتوقيت مكة، كنت من المحظوظين الذين يملكون جهاز (الستلايت)، بدأت نشرات الأخبار والعواجل تتوالى على الأشرطة الإخبارية (التايتل) وبالخط العريض منبئة عن محاولة انقلابية تجري في العاصمة التركية أنقرة! بكلّ يقين أستطيع أن أقول – وهذا ما تبين في اليوم الثاني – أن لا أحد ممن كان يملك جهاز الاستقبال استطاع أن ينام ليلته تلك، ونسي أنّه في سجن منذ عامين يُسام سوء العذاب من جوع وقتل وفقر وما يخطر على البال وما لا يخطر من نوائب الدهر ومصائب الزمن.

بقيت العيون بالشاشات معلقة والآذان إلى المذياع ممن حالفه الحظ من التقاط إذاعة عربية منصتة لتعرف الحدث لحظة بلحظة، وكأنني أجد أن الرئيس التركي أردوغان يتجول في مدينة الموصل ليلًا، زائرًا العوائل والبيوتات الخائفة، ليلة ربما لا تتكرر من اهتمام الموصليين بهذا الانقلاب وكأنه في بلدهم الذي تركهم لقمة سائغة بيد ذئاب مجتمعة، تكن الحقد للطفل قبل الشاب وللمرأة قبل الرجل وللحجر والشجر والطبيعة والبشر والدنيا بأسرها. 15 ساعة، والكلّ يترقّب ما الذي سيحصل وما هي آخر المستجدات والتطورات. كلمة للرئيس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، توقف الدبابات والطائرات وتُقاد الدولة لتنهى الانقلاب في تمام الساعة 12:57 بخطاب رئيس الوزراء التركي معلنًا إخماد الحركة الانقلابية.

وقتها كانت آراء المتابعين للشأن الموصلي ومن أراء الطبقة المثقفة من صحافيين وكتاب وأكاديميين أن أهل المدينة تابعوا الحدث وتحملوا المخاطر لأنهم يجدون أن الرئيس التركي أردوغان ممكن أن يكون هو المخلص لهم من التنظيم المجرم، أو أنّ الامتداد الجغرافي والاجتماعي والديني التركي الموصلي كان سببًا في ذلك، وكله صحيح في نظري.

لكننا اليوم وبعد تحرير المدينة، بل العراق أجمع بعد عامين يتكرر المشهد، كيف يمكننا أنّ نفسّر سبب اهتمام الموصليين بالانتخابات التركية الجارية رغم المآسي والدمار وتوقف الحياة في المدينة والنزوح والتهجير والفقر، كلهم على نفس تلك الليلة (ليلة الانقلاب) لكن مع الفرق من تمتعهم بحرية نسبية تكفل لهم الحديث في الشوارع والمقاهي والمنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي الكل يبحث عن أدقّ الاخبار، حتى أنّ بعضهم فاجأني عندما تحدث معي وأعلم أنّه لا يهتم كثيرًا بالأخبار السياسية فهو من هواة الرياضة فوجئت به لا يكلمني عن كأس العالم وبدأ بالحديث عن الانتخابات التركية بالأرقام واستطلاعات الرأي ونسبها المئوية وغيره الكثير من تفصيلات الأخبار السياسية، وهذا الاهتمام وجدته وعبر متابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي من أنّ أغلب الشعوب العربية وخاصة من فئة الشباب مهتمّة بالحدث بقدر اهتمامها بفعاليات كأس العالم المقامة في روسيا والتي تمثّل دون شكّ أكبر فعّاليات العالم.

لو ألقينا نظرة على فعّاليات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته، ونقصر الحديث على ما هو قريب زمنيًا من الانتخابات، أو في العام الاخير، لوجدنا أن تركيا قد حصلت على طائرة تتمنى دول العالم الحصول عليها F35، افتتاح أكبر مطار في العالم وثالث مطار في اسطنبول قبل موعد الانتخابات بأربعة أيام، خلال أعوام قليلة سيكتمل مشروع شقّ قناة مائية محاطة بمدن جديدة لم تكن موجودة سابقًا، قبل أشهر قليلة تمّ افتتاح أطول جسر في العالم، وقريبًا سيتم افتتاح أطول أنفاق العالم إضافة لما هو موجود أصلًا، تم تشييد أكبر مشافي أوروبا على الأراضي التركية، افتتاح أكبر حدائق العالم في إسطنبول وغيرها من المدن التركية، إرسال الأقمار الصناعية إلى الفضاء، خوض كبرى الحروب في أشدّ المناطق سخونة في العالم في الشّمال السوري في عفرين وغيرها بموازات التهيؤ للوصول إلى جبال قنديل العصيّة الموجودة في العراق لتطهيرها من حزب العمال التركي.

أكتب هذا المقال وقد أعلن عن فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. نتيجة واحدة يمكن أن نصل إليها، أن الناس لا يهمّها توجهات أو أيديولوجيات من يحكمها ما دام من أبناء بلدها وموفرًا لهم كرامة العيش، وما تقوم عليه أسس الحياة الكريمة، معادلة بسيطة لا نعلم لماذا لا يفهمها الساسة العرب بعد؟!