افتح قوسًا من الهزائم، ورجاءً لا تُغلقه، فما زالت قائمة الهزائم لم تكتمل بعد. كيف لوطنٍ يئن أن يبحث عن تسجيل لقب رياضي وهو مُمزق البنية؟ لو شبّهنا الأمر بالعبارة الشهيرة (العقل السليم في الجسم السليم)، لتوقّعنا الهزيمة! ففي أوطاننا تتألم الشعوب من الفقر والفساد والرشوة والمحسوبية والبطالة والعيش بكرامة! أتظنّ أنّ وطنًا جسده مُنهك وعقله مٌغيّب، سيحصد لقبًا وينافس أسوياء؟ تالله قد خدعنا أنفسنا وخدعونا حُكّامنا، للترفيه ربما أو لقصد وضعنا على حدود التيه. التيه الذي جعلنا نأمل وندعو ونحجز عبور السعادة إلى مسام أرواحنا معلّقة بفوز باهت، لا زهو فيه. فوز يجيء على جثث الكرامة، ويعبر على أجساد الوعي والإدراكية، وياليته قد جاء!

كنت أظنّ أن فينا من فينا، ممّن هم قادرون على استيعاب الوضع والتكهن بالنتائج، واستبصار الهزيمة من على بعد،ٍ وعدم الانسياق خلف قلوبٍ أرهقتها الأمنيات، ولا أفصل بالجزم أنني قد رأيت دواخل الجميع، لكن المُحزن هو السواد الذي يتلحّف وجوه الناس، ثم ما لبثوا أن أعلنوا بأنّ الصدمة قد ذاعت بيانها في صدورهم ليستفيقوا أخيرًا: بأنّ النصر لم يكن يومًا حليفهم!

عموم الناس تهرول خلف الأمنيات متّكئة على عصا الحظ وترفض صوت العقل! واصفة إياه بالمتشائم الانهزامي وأن الله قادر على كلّ شيءٍ. صدقتم وصدقنا، فهو القدير القادر، وهو أيضًا من أوصانا بأن اعملوا، وسيرى الله عملكم! أيّ عمل هذا الذي يحمل الموت تحت إبطه، ويقول: ها نحن فاعلون! الموت حلّ ضيفًا بكل بيتٍ، وليس شرطًا أن يكون هذا الموت الذي ينتهي بقبر وبضعة دعوات ووردة تحمل أطيب الأمنيات، إنّما هناك موت من نوعٍ آخر!

من قال إنّ الموت لا يأتِ إلا مرة واحدة؟ لو تذوّقت معي نكهة الألم في حلقِ شاب أنهى دراسته الجامعية آملًا مُستبشرًا أن يلتحم بأرضِ الواقع، ويروّض الفرصة لصالح أحلامه! ثمّ ما وجد إلا سراب، لتيقنت أنه بالفعل قد مات. مات وهو حيٌّ يتنفس ويبكي! ثم يضحك فيبكي!

ولو شاطرت حزن امرأة تأوّت من نيران الفراق؛ لهجر زوج وحبيب أو أب وأخ؛ لأنّهم في ذات يوم قالوا كلمة حق! لعرفت أنّ للموت معاني أخرى! كلّ ما أتمنى أن أظلّ حيًّا حتى أموت. ثمة أمنية تزعزع جدران الوطن، ففيها ما فيها من عمقٍ وحلمٍ! بيد أن مبلغها يستحيل تحقيقه!

رفعنا الأيادي، وعلّقنا آمال السعادة على شخصٍ داخل فريق، فها نحن كعادتنا لا نقنع بثقافة التعاون، ونشعر بقوتنا ما إن تجمّعت في قدمِ وساقٍ! محمد صلاح الدين الأيوبي! هكذا رأيته من كثرةِ ما حُمل بأمنيات النصر والفوز! وعلى غرار الأسطورة الكرتونية – كابتن ماجد – فرأيت في نظراتهم نظرة كتلك التي كنت أصوّبها في صغري تجاه الكابتن ماجد! فكان يباغتني على حين غفلة، ويباغت كل الحضور داخل شاشات التلفاز، وكنت أصدّق قواه الخارقة! كما صدقت الغالبية أيّوبية محمد صلاح.

الكارثة تكمن في ثقافة شعب، جرّته الحاجة للشعور بالسعادة بأن يبني آماله بنوم هاديء إن فاز المُنتخب في روسيا! ويعلم الله بالسرائر فربما باكره ينتظره بكارثة حياتية، فحتّى لقمة عيشه، لا يقدر على توفيرها. مخدّرات الأنظمة تأتي على طريقة (ياعزيزي انظر إلى العصفور)! وها أنت قد نظرت وابتلعت المُخدر فتفتّت همومك تفتّتًا لحظيًا، حتى تجد يومك التالي معبأً بأكوامٍ صلدة من الهم لا تقدر على تخديرها.

فلترفعوا رؤوسكم بكل عزّة وفخر وكبرياء، فنحن ذلك الجيل الذي عاصرنا وصول منتخبنا الحبيب لكأس العالم، ونالنا من شرف الهزيمة ما نحظاه! فإنها الهزيمة المُشرّفة! لكن لا تنسوا أن ترفعوا أيديكم مع رؤوسكم داعيين على أنظمة فسدت فتجبّرت! ألا لعنة الله على حكامٍ ساعدوا على تغييب الشعوب وتغفيل نواظرهم، حتى يتسنى لهم عبثًا على عبثهم.