عكف مالكو العبيد في أوائل القرن التاسع عشر على التلاعب بعقول الملايين من عبيدهم الزنوج الذين جلبوهم من القارة السمراء لاستغلالهم أسوأ استغلال. وكانت وسيلتهم الأهم لتحقيق ذلك بعد تنصير العبيد هي حرمانهم من تعلم القراءة والكتابة، وتلقينهم إنجيلًا خاصًا حذف منه كل ما يتعلق بالحرية، أو يشير إليها لترسيخ فكرة كون المرء خاضعًا لغيره من البشر، وأن ذلك أصل كل الخيرات. وقد تم الكشف عن نسخة من ذلك الإنجيل مؤخرًا في متحف الإنجيل بالعاصمة الأمريكية، والذى استخدمه البريطانيون في مستعمراتهم بالهند الغربية.

سبق ذلك ما فعلته إسبانيا في الأندلس عقب سقوطها. فبعد أن فشل الإسبان في تنصير وتدجين معظم الأندلسيين طوعًا، أجبروهم على ذلك مستخدمين أبشع الوسائل، وذلك بالتزامن مع تحريم تعلم اللغة العربية، أو التحدث بها، وكان وجود القرآن الكريم، أو حتى أيًا من الكتب العربية على اختلافها في بيت أحد، أو يده، كفيلًا بشنقه أو حرقه.

عقب الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة تمكنت القوى الإمبريالية من بسط نفوذها على ما تبقى من أراض عربية تنفيذًا لبنود اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور الذي أدى إلى سقوط فلسطين في أيدى العصابات الصهيونية 1948.

ومنذ وطأت أقدام هؤلاء المخربين البلدان العربية عملوا على استخدام سياساتهم المعهودة لبسط نفوذهم وتحقيق مصالحهم وأولها الغزو الفكرى الممنهج للسيطرة على العقول دون كلل أو ملل. فتشكلت بذلك طبقة أو طائفة تخدم الاستبداد، وتتنكر لتاريخ الأمة، وتنادي بدمج الشعوب مع غاصبيها من خلال تحويل مفهوم السلام إلى استسلام وخنوع. وقد ورثت مجتمعاتنا العربية هذه الطبقة جيلًا بعد جيل، وعليها يعتمد الغرب في تحقيق أهدافه القذرة حتى الآن.

ولعل أنجع وأبسط وسيلة من وسائل الغزو الثقافي والفكري داخل المجتمعات العربيه هي نشر اللغات الأجنبية واعتمادها في التعليم مقابل تهميش اللغة العربية، واستبدالها بلهجات عامية محلية. كما انتهج المحتلون سياسة تأرجحت بين العداء السافر ومحاولة الاحتواء كان الهدف منها محاصرة التعليم الإسلامى، بفرض قيود وشروط تعسفية على استمرار عمل المدارس الموجودة وفتح مدارس جديدة، وبذلوا جهودًا حثيثة لتغيير القوانين والأعراف المأخوذة من الإسلام وفرض النمط الحضارى الغربى بقيمه ومعتقداته غلى الشعوب، لكن هذه السياسة لم تنجح في صرف الناس عن التعليم الديني، بل جاءت في أغلب الأحوال بنتائج عكسية تمثلت في بغض المحتل ومجاهدته والتمسك بالثوابت والأصول الحضارية الإسلامية لدى قطاع واسع من الشعوب العربية.

بعد حصول البلدان العربية على الاستقلال شكليًا بقيت فلسطين حبيسة الصهيونية لتؤكد لنا ذلك الاستقلال الشكلي، وأن الغرب ما زال قابعًا يدنس مقدساتنا، ويعد أنفاسنا، ويراقب عقولنا، ويحكم قبضته على رقابنا. وتسلمت الحكم أنظمة علمانية دأبت على اتباع سياسات اشتراكية لفترة طويلة من الزمن، تبعتها أخرى مارست سياسات رأسمالية باتت تحكم العالم كله الآن. وفي كل الأحوال ظل التعليم وإن بدا جيدًا يفرغ من محتواه في مجتمعات غارقة في الفقر والعلمنة.

بحلول الألفية الجديدة أضحت ثقافة العولمة أخطر ما يواجه المجتمعات العربية. فالأساليب القديمة لم تعد وحدها كافية للإيقاع بالمزيد من الضحايا وسرقة عقولهم وتاريخهم، فوجب فعل ذلك بطرق مبتكرة تحمل في ظاهرها معاني السلام والشراكة في عالم واحد. فعملوا على تعميم الأفكار والأنماط السلوكية والقيم والمعارف الغربية ونشر ثقافة واحدة مشتركة في العالم كله. وأصبحت الأمم المتحدة وبرامجها للتنمية المستدامة في البلدان العربية، وآخرها البرنامج الإنمائي 2030 هى الضامن لتنفيذ سياسات العولمة. فصندوق النقد والبنك الدوليان أغرقا المجتمعات العربية في مستنقع الديون تحت مسمى التنمية وأوهام الإصلاح الإقتصادي، وتطوير التعليم؛ حتى نعيش جميعًا في عالم أفضل، بينما أثبتت التجارب المريرة أن تلك الشعارات البراقة ما هي إلا ستار يخفي وراءه سياسات جديدة قديمة لإحكام السيطرة على العقول وطمس هوية الأمة والتحكم في شئونها وقرارتها.