«الأنبياء كلهم فقراء مثلنا، راع وحداد ونجار وبائع، لكن الأثرياء اختطفوا أديانهم، وحوّلوها إلى مجرّد طقوس لامتصاص غضب المقهورين»؛ كلماتٌ رددها نصير المظلومين والمقهورين «إرنستو جيفارا»، وما تزال تحمل الوقع نفسه لدى كل شخص حر. ليس بالضرورة أن تكون شيوعيًّا أو لاتينيًّا أو ثائرًا كي تحب هذا الرجل، يكفي أن تكون إنسانًا مُحبًا للخير والسلام والعدالة بين البشر، عندها ستتغلغل محبة هذا الرجل إلى أعماقك دون استئذان، إنها محبة عالية عن الماديات، وعن الإعجاب الآني؛ لأنها دائمة وأزلية وقائمة على أسس التحرر والنضال ومكافحة الظلم أينما وقع.

ليس بالضرورة أن تحمل بندقية، وترتدي البزّة العسكرية، وتكلل رأسك بالنجمة الحمراء مع سيجار يمتص غضب الناس لينتشر في الفضاء، الحقيقة أنَّ جيفارا كان الإنسان الحالم والمحب، هو الذي كان لديه عشيقة، وكتب لها أجمل القصائد متأثرًا بالشاعر بابلو نيرودا، وهو الذي حمل القلم ليكتب لنا أفكاره الخالدة، وهو أيضًا الشخص الدبلوماسي الذي نال مناصب سياسية، ووقف على منبر الأمم المتحدة ليوقظ الشعوب من غفلتها، ويجب ألا ننسى أنهُ الطبيب الذي أحبّ مداواة جراح الناس، والذي خلع الكبرياء والغنى عنه ليشاهد الظلم والحرمان عن كثب، ويكون نصيرًا لكل مظلوم.

جيفارا الرجل الخالد الذي لم يخف يومًا من الموت؛ لأنَّ في عقيدته شعلة الثورة باقية بعد موته، وهو الذي خاطب أعداءه قائلًا: أنا أعلم أنك جئت لقتلي، أطلق النار يا جبان، فأنت لن تقتل سوى رجل. صورة جيفارا الرمز ستراها اليوم في وجوه الأطفال والفقراء، والمساكين، والمظلومين، والمشردين؛ لأنهُ القديس والمخلّص في أعين هؤلاء، ولأنَّ التقرّب الحقيقي من الله يكون في أفعالك وليس في الأقوال.

يوم عيد الفطر المبارك، وأيضًا ذكرى ميلاد جيفارا، تكاد هذه الصدفة أن تكون الأجمل، ليس لرمزيتها، وإنما لمضمونها المتقارب والمتجانس؛ المعنى الحقيقي لشهر رمضان هو الصوم من أجل التخلي عن الحياة المادية، والإحساس بجوع الفقراء، ولكن الفارق أنَّ جيفارا تخلّى عن الحياة المادية ليس لمدّة شهر إنما طيلة حياته، فترك مال عائلته، وخلع ثوب عمله كطبيب لينزل إلى الأرض ويكون قريبًا من الناس، ويكون خادمًا لهم، وقد مات في سبيل الغير، ومن أجل حرية الإنسان وكرامته. في شهر رمضان نتعلم التسامح والمحبة وألا نفرّق بين إنسان وآخر؛ فالكل سواسية أمام الله، وهكذا كان جيفارا؛ لأنه لم يسأل يومًا عن الدين أو العرق أو البلد، لأنَّ الهدف هو الإنسان، وتحرير البشرية من الظلم أينما وقع.

في هذا اليوم المبارك ما علينا سوى أن نفرح ونهلل، ولكن يجب أن نتذكر في كل يوم جوع كل مظلوم ومقهور في هذا العالم وعطشه وحرمانه، هكذا نصل إلى قلب الله. إنَّ الظلم أصبح مستفحلًا ومستشريًا في هذا العالم وكل يوم يزداد، والفجوة بين الفقراء والأغنياء تتسع، والعالم ما يزال مقسّمًا على أساس طبقي وعرقي، وما زالت عبارات عالم الشمال وعالم الجنوب متداولة.

هل هذه لعنة سماوية أم من نتاج البشرية الجشعة؟

بعد تهذيب النفس وترويضها مع انتهاء شهر رمضان، يجب أن تدخل البشرية في مرحلة تهذيب الفكر وتطويره؛ لأنَّ الجهل هو عدو الإنسانية، وهو الذي يجلب الخراب والدمار والظلم إلى هذا العالم، وأول كلمة من الله نزلت على قلب النبي محمد هي «اقرأ». ولكن للأسف واقعنا اليوم مختلف جدًا، فالشعوب العربية تائهة في ظلمات الجهل وتقتل بعضها بعضًا، والعدالة غائبة بين فقير مقهور وغني جائر. فالتحية لجيفارا في يوم ميلاده والتحية إلى جميع المسلمين في يوم عيد الفطر، علّنا نعود إلى مبادئنا الأصيلة؛ فجيفارا لم يكن غريبًا عن الإسلام، هو الكافر في عيونكم، والقديس في عيون الله.