يُعدُّ عمل المرأة من أبرز القضايا المعاصرة التي تشهدها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إذ كثُرت فيها الآراء وتناقضت بين تأييد ومعارضة، استنادًا إلى خلفيات مختلفة منها: الدينية، والمجتمعية، والفكرية.

ولا أودُّ أن أتناول القضية في السياق المألوف نفسه الذي اعتدناه من طرفيها -المؤيدين والمعارضين-، فلربما الإسهاب في تفاصيلها الجزئية هو السبب الرئيس لكونها محل شد وجذب حتى يومنا هذا، ونطرحها في النقاط الآتية:

1– «لماذا خلقنا الله؟»، ربما هو السؤال الوُجُوديُّ الأشهر والأعرق، وأرى فيه مفتاحًا لحل معظم مشاكلنا اليومية إذا استوعبناه بحظٍ وافرٍ من الحكمة والفطنة والعقل، ومنها القضية محل طرحنا الآن، فهل خلق الله الرجل والمرأة ليكونا ندّين مُتقابلين في ما يسمى «إثبات الذات»؟!

2– «وما خلقتُ الجنّ والإنس إلّا ليعبُدُون»، أظن هذه هي الإجابة الأعظم والأقوم للسؤال المطروح سالفًا، فهي شاملة كاملة لكل مناحي الحياة وتفاصيلها، وإذا قمنا بمقارنة المهام الطبيعية للرجل والمرأة على مقياس «العبادة»، نجد أن التربية والتقويم وصناعة جيلٍ سويٍ يستطيع إحياء مجد دينه ودنياه، أعظم وأرقى بكثير من السعي في سُبلٍ مختلفة لجني المال. أما على مقياس «الوظيفة»، فهي التحقيق الأضمن لـ«الاستقرار الوظيفي» إن جاز التعبير، فالأثر الباقي في عملية التربية لا يتأثر أو يتغير بتغير الأوضاع الاقتصادية أو السياسية، ولا يقترن بأسعار النفط والدولار! فلنتفق إذن أن المعيار الأقوم والأوضح لكل ما نطرح هو معيار «العبادة».

3– «المال وسيلة أم غاية؟»، لقد ضاعت في إجابة هذا السؤال الكثير والكثير من الأُسر وانهارت، غافلةً عن حقيقة غير قابلة للشك أن المال ليس إلا وسيلة لتحقيق العبادة، ففي اليقين بتلك الحقيقة تغيير لكثير من المفاهيم المغلوطة لدينا اليوم، ويكون كسب الرزق مقتصرًا على من لديه تكليف رباني صريح بهذه المهمة (كما يجب أن يكون الحال)، فيتفرغ العمود الآخر في بنيان الأسرة للمهمة الأخطر والأصعب.

4– «كُلٌّ مُيسّرٌ لما خُلق لهُ»، هنا تتجلّى الحكمة الربانية في الفطرة الإنسانية السويّة، فالمرأة لديها من الإمكانات الفطرية خاصةً العاطفية ما يمكنها من القيام بمهام الأسرة الداخلية من سكن وأمومة ورعاية وعطف، فتكون بذلك كما «الشئون المعنوية» للأسرة، والرجل لديه من المقومات الجسدية والعقلية ما يؤهله لخوض غمار معترك كسب الرزق ليوفر حياةً كريمةً لأهله، وبذلك يتحقق التكامل الفطري السويُّ للأسرة دون أي ندّيّة أو تنافس.

5– سمعت الكثير يقولون: «لم نبذل الجهد والمال في تعليم بناتنا كي يلزمن بيوت أزواجهن!»، ولهم أقول إن هناك فرقًا شاسعًا بين كون عمود الأسرة متعلمة مثقفة وبين كونها أُمّيّة، ففي أغلب الأحوال يكون لدى الأُولى من المدارك والوعي ما يجعلها مرجعًا أمينًا وعاملًا أكثر فعالية في تنشئة الأسرة ورعايتها، وقد قال الله لأمهات المؤمنين: «وقرن في بُيُوتكُنّ»، أي أن وقار المرأة وجلالها في بيتها دون تعرضٍ لما خارجه من المشقة والذل دون داعٍ.

6– هناك مجالات وظيفية تستلزم تربُّع المرأة على عرشها لأسبابٍ دينية وتربوية، كتعليم الأطفال والبنات، والطب، والتمريض، وأرى في توجيه الآباء والأزواج طائفة من بناتهن وأزواجهن لشغل تلك المهام واجبًا شرعيًّا ومجتمعيًّا.

وإعمالًا للمبدأ العلمي القائل: لكل قاعدةٍ شواذ، فتحية إجلال وتقدير لكل من:

1 – زوجة محبة حنونة عزمت على مشاركة زوجها أحمال الحياة المادية في ظل ما نعيش الآن من غلاء في تكاليف المعيشة وصعوبةٍ في كسب الرزق، وبذلت من وقتها وجهدها وراحتها كي تعينه على كسب الرزق وأعباء الحياة عن طيب نفس.

2 – فتاة أو سيدة لم تجد من يعولها؛ فخاضت غمار المعركة بعزم الرجال، مُعتزّةً بنفسها غير منتظرة إحسانًا من الناس.

وأختم قائلًا: إن القيام على النساء واجب شرعي ورجولي، سواءً كانت أمًا أو أختًا أو زوجةً أو ابنةً، وحتى من غير المحارم اللاتي لم يجدن من يعولهن ويقوم على شئونهن، فالنساء روح الحياة ونورها، وهن العزة والشرف والعرض.