ظلت المملكة العربية السعودية على مدار تاريخها ومنذ نشأتها تحظى بمكانة خاصة في نفوس العرب والمسلمين في شتى بقاع العالم بل وتحيطها هالة من التقديس والتبجيل الكبير لرمزيتها الدينية باعتبارها مهبط الوحي ومبدأ الرسالة ولاحتوائها على المدينتين المقدستين  مكة المكرمة والمدينة المنورة.

ولهذه المكانة الجيودينية إن صح التعبير كان انتقاد السعودية في الوسائط الإعلامية بل وفي الجلسات الخاصة حتى وقت قريب شيئًا أقرب الى ارتكاب الآثام والموبقات، مهما صدر من السعودية وسياسييها من تجاوزات أو تصرفات توجب النقد حقًا، وقد يتعرض المنتقد للسعودية لصنوف من الإرهاب الفكري كالتخوين والاتهامات بالضلال أو الفسق والعلمانية.

أما مؤخرًا فإن من الملاحظ مع انتشار الوسائط المحفزة على حرية التعبير كالإعلام الجماهيري ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن التجرؤ على انتقاد السعودية في مواقفها السياسية وغير السياسية صار شائعًا ومتاحًا مما أدي لفقدان السعودية رويدًا رويدًا لتلك الهالة القدسية التي أحيطت بها.

حتى وصل الأمر في الأعوام القليلة الماضية لأن تتحول السعودية من تلك الدولة ذات الحصانة الأدبية ضد النقد، لدولة مهدرة الكرامة يتبارى الكثيرون  في إهانتها وتجريحها والسخرية منها ومن مواقفها.

 وهنا سؤال يطرح نفسه بإلحاح؛ لماذا صارت السعودية هكذا فجأة هوانًا على الناس يسومونها شتى أنواع النقد والتجريح؟

الحقيقة أن وقوع السعودية فريسة لسهام الإفصاح عن مشاعر الحنق والغضب تجاهها لم يكن نتاجًا لحظيًّا لمواقف طارئة، بل كان انفجارًا متوقعًا لآراء مكبوتة على مدار السنين نتيجة لتراكم مواقف وسياسات سلبية عديدة للمملكة العربية السعودية تجاه محيطها العربي والإسلامي.

دعونا نناقش بعض الأسباب التي قد تعتبر مبررات لهذا التدهور المريع لمكانة السعودية السياسية في العالم الإسلامي، ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الأسباب تتراوح ما بين السياسي وغير السياسي كما أن بعضها أسباب طارئة من التوجهات الحديثة للمملكة والبعض الآخر قديم مترسب من سياسات متلاحقة لحكام هذه الدولة العريقة.

أولًا: الشخصية السعودية المتعالية

السعودية بلاد الحرمين ومهبط الوحي وبلد النبي محمد أعظم العظماء ،وهي كذلك أرض الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، ولذلك كثير من السعوديين يعتبرون أنفسهم على ما يبدو امتدادًا لهذا السلف الصالح وشعبًا مختارًا في داخل الأمة الإسلامية الموصوفة جملة بالخيرية.

هذا الغرور السعودي والتعالي على غيرهم من شعوب العالم العربي والإسلامي يظهر جليًّا لمن عايشهم من العرب والمسلمين ممن اضطر للعيش هناك مغتربًا ومهاجرًا، فهم أكثر من اكتوى بنيران شخصيتهم المتعالية.

الإعلام السعودي المسيطر بلغة المال على قنوات الفئة الأولى العربية هو كذلك يؤصل لهذه المسألة فمن منظور ما يقدمه هذا الإعلام أن السعودية هي أفضل البلدان في كل شيء حتى إن فنانيها هم فنانو العرب المفضلين ودوري كرة القدم فيها هو أقوى البطولات.

ولا يكاد يشبه السعودية في نظرتها الفوقية لغيرها من الشعوب بلد سوى مصر؛ فإن لدى مصر وإعلامها ذات الدعاية المغرورة عن دولتهم وما فيها.

ولأن من طبيعة الإنسان أن يبغض من يتعالى عليه، فإن مشاعر دفينة من الحنق تجاه السعودية قد تولدت لهذا السبب، وكلنا نعلم أن المتكبر كشخص فوق جبل يرى الناس صغارًا ويرونه صغيرًا.

ثانيًا: نظام الكفيل والإقطاعية الحديثة

يعد نظام «الكفالة» الصادر عام 1951، والذي يحدد العلاقة بين صاحب العمل والعامل داخل السعودية، من أبرز الملفات التي أثارت جدلاً في الأوساط العمالية والحقوقية والمجتمعية، الإقليمية والدولية، خلال السنوات الأخيرة. فضلًا عما تسبب به للمملكة من انتقادات لاذعة بسبب الإبقاء عليه.

يسمح هذا النظام للكفيل (صاحب العمل) بالتحكم في مكفوله (العامل الأجنبي)، بصورة تناقض ما أقرته مواثيق العمل، وحقوق الإنسان الدولية.

الحقيقة أن السعودية في حوجة ماسة للعمالة الماهرة والكفاءات المؤهلة في العديد من المجالات لعدم كفاية السعوديين المؤهلين لسد هذه الشواغر وركونهم الى البطالة وتفضيلهم العمل رؤساء ومديرين دون عمل تقني حقيقي، ورغم أن الفائدة التي تجنيها السعودية من هذه العمالة الأجنبية لا تقدر بثمن وبدلًا من أن تحسن معاملة هذه الثروة البشرية وتزرع في نفوسهم حبها والولاء لها، إلا أن السعودية بنظام الكفيل الذي يشبه نظامًا حديثًا من العبودية والإقطاعية، حفزت كثيرًا من مشاعر النفور والكراهية للسعودية من قبل هذه العمالة التي يأتي جلها من دول إسلامية وعربية.

ثالثًا: التعلق بأستار البيت الأبيض

كيف لأمريكا الشيطان الأكبر وسبب كل القلاقل والحروب في العالم الإسلامي كما يرى معظم المسلمين أن تتمتع بهذه العلاقة الوطيدة مع  بلاد الحرمين رمز الإسلام وزعيمة دوله.

هذه الصورة المتناقضة وهذه العلاقة المشبوهة بين أمريكا والسعودية، والتي فيها الكثير من الخضوع من الجانب السعودي كانت موضع انتقاد دائم عند الكثير من المثقفين ورجال الدين العرب والمسلمين، مما أسهم في تصدع جدار الاقتناع بالسعودية بوصفها دولة عزيزة ودفعها إلى خانة التشكيك والعمالة.

الخضوع السعودي الدائم لأمريكا والمتبدي في كونها الدولة الأكثر احتضانًا للقواعد الامريكية في الخليج والشرق الأوسط، إضافة إلى دعمها المادي اللامحدود للولايات المتحدة الأمريكية أحيانا بصورة مباشرة كما حدث في الأزمة المالية العالمية وإعصاري كاترينا وهارفي أو بصورة غير مباشرة بصفقات السلاح شبه الإجبارية التي تجريها من حين لآخر وفتح الأسواق السعودية للمنتجات الأمريكية دون قيود.

مما أثار التساؤلات عند الكثيرين وأوصلهم إلى فقدان الثقة في السعودية والتشكيك في ولائها لمحيطها العربي والإسلامي.

الحق يقال إن السعودية ليست الدولة الخليجية أو الإسلامية الوحيدة التي تحوي قواعد أمريكية داخل أراضيها أو تقيم علاقات سياسية وطيدة معها، ولكن خصوصية السعودية ورمزيتها في العالم الإسلامي جعل اعتبار أمريكا لها حليفًا استراتيجيًا ومرتعًا لقواتها شيئًا صعب التقبل ومثيرًا للتعجب والانتقاد القاسي من قبل الكثيرين سواء داخل السعودية أو خارجها.

رابعًا: حرب اليمن

حازت السعودية على دعم الكثير من الكتاب والمثقفين العرب والمسلمين عند بدء حربها في اليمن، والتي جاءت باسم عاصفة الحزم دلالة على القوة والإنجاز السريع، ولكنها سرعان ما خسرت هذا الدعم الدعائي الذي كان معها بل وانقلب الكثيرون ضدها، لأن عاصفة الحزم ما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة وقد صارت وبالًا على اليمن وأهله.

حتى تدري مدى تأثير حرب اليمن البالغ على اهتزاز الصورة النقية للسعودية، فلك أن تعلم أن المملكة متهمة في اليمن بجرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان، وذلك لأول مرة قي تاريخها وأن اليمن صار بعد عاصفة الحزم بلدًا زاخرًا بالفوضى والكوليرا والمجاعات.

إن خسرت السعودية عسكريًّا في اليمن، فإن هذا أمر يمكن تعويضه، فالحرب كر وفر ولكن ما لن تستطيع السعودية تعويضه هو خسارتها لسمعتها الحسنة وتشويهها لسجلها الناصع وفقدانها لمكانتها المحايدة في العالم الإسلامي.

 خامسًا: حصار قطر

حصار قطر أظهر السعودية ولأول مرة بمظهر الغطرسة والطغيان وجعلها في أعين الكثيرين مجرمًا لا يأبه بسوء أفعاله وعواقب تصرفاته ولا شك أن هذا كله يناقض رمزية السعودية الدينية والصورة الذهنية التاريخية المرسومة عنها عند العرب والمسلمين كمعين للضعفاء لا محاصرا لهم.

 وخلاصة الأمر إن حصار السعودية لقطر أفقدها كثيرًا من المؤيدين لها خصوصًا وأن ضحيتها هذه المرة هي  دولة قطر صاحبة المكانة المميزة في العالم العربي والإسلامي.

 سادسًا: دعم الأنظمة العربية الاستبدادية

جازفت السعودية كثيرًا بمكانتها حين دعمت أنظمة قمعية دموية كما حدث في مصر مع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي قدمت له دعمًا لا محدود رغم أنه قد  قتل وسجن الآلاف من المصريين على مرأى ومسمع من العالم، وكل ذلك بدافع الخوف من وصول عدوى الثورات العربية لها وتهديدها للعروش، فاضطرها ذلك لإجهاض الثورة المصرية والوقوف مع السيسي، فظهرت هنا بمظهر المعين للظلم والقمع والتنكيل وجر إليها كثير الهجوم والمعارضة والنقد.

سابعًا: خلع عباءة الدولة المحافظة

إن كانت كل الأسباب السابقة قد أفقدت السعودية تأييد المثقفين ومن لديهم عليها تحفظات مسبقة، فإن تخلي المملكة عن مظاهر التدين واستبدالها بتوجهات نحو التحرر قد أفقدها تأييد المتدينين لها داخلها وخارجها الذين ما توقف دعمهم لمواقفها، بل وبحثوا لها دومًا عن ثغرات فكرية وفتاوى دينية ومسوغات منطقية للدفاع عن سياساتها.

توجهات السعودية الجديدة نحو العلمانية صدم الكثير من أنصارها وأدخلهم حالة الإحباط وخسرت بذلك خطًا للدفاع لطالما كان مفيدًا للترويج لها وتثبيت مكانتها ورمزيتها في العالم العربي والإسلامي.

ثامنًا: العلاقة مع إسرائيل

يقول تقرير في البي بي سي كتبه جوناثان ماركوس محرر الدفاع والشؤون الدبلوماسية:

يبدو أن هناك تحالفًا فعليًا بين السعودية وإسرائيل في الصراع ضد نفوذ إيران المتنامي في المنطقة. وهذه علاقة متطورة وشديدة الحساسية في نفس الوقت، لكن في غالب الأحيان هناك تلميح لما قد يجري تحت السطح على مستوى هذه العلاقة.

لم يكن هذا التقرير هو الوحيد الذي يشير إلى علاقة سرية بين المملكة العربية السعودية ودولة الاحتلال الصهيوني، بل إن التقارير على هذه الشاكلة كثيرة ومنتشرة وكما يقول المثل الشائع (لا دخان بلا نار).

هذه الفرضيات الصادمة المنشرة بوجود علاقة سرية بين السعودية وإسرائيل المحتلة الغاصبة كفيلة بنسف كامل لمكانة السعودية في العالم الإسلامي، وقادرة على تهديد رمزيتها باعتبارها دولة إسلامية ذات خصوصية عند الشعوب العربية والإسلامية وهذا ما حدث بالفعل.

الخلاصة:

قد نختلف قليلاً في بعض الأسباب المذكورة في هذا المقال ولكننا لن نختلف تمامًا في أن سعودية اليوم لم تعد هي سعودية الأمس؛ فرمزيتها على المحك ومكانتها تحت التهديد وصورتها الناصعة في مخيلة العرب والمسلمين قد تكدرت، وصار الناس حينما تذكر السعودية يتذكرون القمع الداخلي والمؤامرات الخارجية وسياسات الغطرسة والهيمنة على دول الجوار بدلا من أن يذكروا أيقونة للعدل والقيم الإسلامية كانت تسمى المملكة العربية السعودية.