لم يكتفِ المصري القديم بحب العلم والحرص على اكتسابه، بل دعا إلى احترام المتعلم وتقدير العلماء، وأدبياته التي وصلت إلينا من خلال الوثائق البردية، والنقوش الموجودة على جدران المعابد والمقابر، شاهدة على ذلك.

فها هو أحد حكمائهم يحث على طلب العلم؛ مبينًا شرف أن يكون الشخص كاتبًا؛ فيقول: أعد نفسك لتكون كاتبًا وحاملًا لقلم المعرفة، إنها أشرف مهنة وأجدر وظيفة تليق بك وترفع من شأنك وتقربك من المعبودات، إن ما يخطه قلمك سيعيش أبد الدهر، تعلّم كيف تحرك أصابعك القلم وكيف يحرك عقلك أصابعك، فلا يخط قلمك إلا الحكمة والمعرفة وما ينفع الناس، إن مما يخطه قلمك هو أعظم ميراث وأثمن من إرث في الأرض ناحية الشرق أو مقبرة ناحية الغرب!

وقال آخر: كن كاتبًا حتى يُريح عقلك إجهاد جسمك، كن كاتبًا لتصبح سيد نفسك، ولا تكن تحت إمرة أسياد كثيرين.

أما الملك «خيتي» ملك اهناسيا فيوصي ابنه «مرى كا رع» بمهنة الكتابة فيقول: كن كاتبًا، فالكتابة تُعفيك من العمل الشاق، وتصونك من كل أنواع التعب.

في حين أن الحكيم «آنى»، يبين لنا – من خلال وصيته لابنه – مدى احترام المصري القديم للمتعلم، وانصاتهم لحديثه، إذ يقول: إذا كنت راسخًا فى الأدب (أى العلم) فإن الناس ستعمل بكل ما تقوله لهم، ادرس الأدب وضعه فى قلبك، يطيب كل ما تقول.

وعن أداب العلم والتعلم، نرى العجب العجاب، فها هو الحكيم «بتاح حتب» ينصح ابنه بعدم الإغترار بالعلم؛ مبينًا له أنه لا يوجد من يملك العلم الكامل، فيقول: لا يداخلّنك الغرور بسبب علمك، ولا تتعال وتنتفخ أوداجك لأنك رجل عالم، استشر الجاهل كما تستشر العالِم؛ لأنه ما من أحد يستطيع الوصول إلى آخر حدود العلم، ولا يوجد العالم الذى يبلغ الكمال فى إجادته!

ويُكمل لنا تلك الحِكم العجاب؛ الحكيم «عنخ شاشنق» فيتحفنا – كعادته – بتلك الجواهر الثمينة التي يجب على كل متعلم أن يُصغي لها؛ فيقول: قد يستر الصمت حمقًا، وآية الحكيم فمه، وإنما يتأتى التعليم بعد رُقى الخُلق، ولا تقل إنى عالم وتفرغ للعلم، واعلم أن رفيق الغبى غبى؛ ورفيق الحصيف حصيف؛ ورفيق الأبله أبله، لا تشاور عالِمًا فى أمر تافه، ولا تشاور جاهلًا فى أمرٍ جلل، ومن وعى ما تعلمه تفكر فى زلاته، وفشلٌ كريم خيرٌ من نصفِ نجاح!

أما الملك «خيتي» فيبين لنا من خلال وصاياه لابنه؛ كيف أن العالِم الحقيقي هو الشخص الذي يمتلك أخلاقًا سامية؛ فهو لا يضر الآخرين ولا يؤذيهم، فيقول: إن الرجل الفطِن لا يُهاجمه أهل العلم؛ وهو بفطنته وحسن بصيرته يستطيع أن يتجنب المصاعب فلا يصيبه الضرر ولا يلحق به الأذى.

ويحث ابنه أيضًا على القراءة، والمداومة على الاطلاع على ما كتبه آباؤه وأجداده ليتعلم منه، فيقول: اتبع آباءك السابقين الذين سبقوك، انظر؛ إن كلماتهم لا تزال خالدة تنبض بالحياة فيما خلفوه من كتب، افتح الكتاب واقرأ ما فيه، واستفد بعلم أجدادك، واتبع تعاليمهم، تُصبح عالمًا حكيمًا مثلهم.

أما الحكيم «أمنموبي» فينصح ابنه «حور ماخر»[1]؛ بالإصغاء إلى العلماء، مبينًا له أن النجاح مرتبط بوعيه لما يسمعه منهم؛ فيقول داعيًا اياه: أن يفتح أذنيه، ويستمع إلى ما يُقال ويتفهمه؛ حتى يستقر في عقله وقلبه، وأن تكون له منه ذخيرة، وبذلك يكون النجاح من نصيبه.

وها هو أحدهم يحث ابنه على علو الهمة، ويحذره من الكسل والخمول عند التعلم، فيقول: عندما تتسلم واجبك اليومي لا تكن خاملًا، واقرأ بهمة من الكتاب، اكتب بيدك واقرأ بفمك، واطلب النصح ممن هم أنبه منك، لا تكن متوانيًا، ولا تقضي يومًا في خمول، وتفهم طرق أستاذك، واتبع تعاليمه، لا توجه قلبك نحو الملاهي وإلا هلكت، واستشر من هم أكثر منك علمًا.

وبعد؛ فيتضح لنا أن قدماء المصريين لم يحرصوا على العلم والتعلم وفقط؛ بل حثوا أيضًا على آداب العلم والتعلم التي لا نزال في أمس الحاجة إلى الالتزام بها إلى الآن؛ وخاصة أن الدين الإسلامي والرسالات السماوية السمحة حثت أيضًا على تلك الآداب.


[1] – نصائح أمنموبى لابنه حور ماخر؛ موجودة ببردية بالمتحف البريطانى تحت رقم 10474 وتعود إلى الفترة ما بين الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين، وحصل عليها بدج 1888من أحد تجار الأقصر.