دَفعت دول الخليج رُغمًا عنها، وتدفقت المليارات دون مقابل حتى تحدث البعض بأن الأرقام تجاوزت التريليون دولار، وألغي الاتفاق النووي الإيراني وكان الانسحاب من طرف واحد، ضاربًا بعرض الحائط كل الدول الموقعة والمشاركة في هذا الاتفاق، ونجح في حل الملف الكوري الشمالي في خطوة عجز عن تنفيذها الكثير من قبل، وفرض الضرائب على المنتجات الأوروبية والكندية متجاوزًا الاتفاقيات الاقتصادية برفع الجمارك، وتقارب مع روسيا وكان التفاهم معها في عهده على أعلى مستوى خاصة في الشأن السوري، ويظهر ذلك جليًا في دعوته مؤخرًا إلى إعادة روسيا لمجموعة الدول الثماني بعد مقاطعتها من الدول الأوروبية وطردها من المجموعة الاقتصادية على خلفية أزمة العميل الروسي المزدوج، واعترف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، ونقل السفارة الأمريكية إليها، مُطلقًا رصاصة الرحمة على مشروع حل الدولتين.

ونجا من الاتهامات التي ادعت دعم روسيا لحملته الانتخابية وتدخلها وتلاعبها بنتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وبرز في عهده شيء لم يكن مألوفًا في السياسة الأمريكية وهو تأثير وظهور ابنة الرئيس الأمريكي (إيفانكا) وزوجها رجل الأعمال الأمريكي (كوشنر) على الساحة السياسية الدولية دون أي صفة رسمية تذكر.

حتى بناء الجدار الحدودي بين أمريكا والمكسيك والذي كان أحد وعوده الانتخابية، يُذكر أنه وقع على أمر تنفيذي بالبدء بذلك، وهدد حكومته بتعطيل أعمالها ان لم تقم بحل المعيقات التي تمنع تنفيذ المشروع.

ولم يكن الرئيس الأمريكي بعيدًا عن الشأن الداخلي للولايات المتحدة، فخلال عودته من الجولة الشرق أوسطية والتي عاد منها بأموال طائلة غرد ترامب عبر تويتر مخاطبًا الشعب الأمريكي بأنه عاد بأموال كثيرة ووظائف جديدة، وألغى ترامب أيضًا نظام الرعاية الصحية الأمريكية الذي أنشأه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والمسمى بنظام (أوباما كير) وعدَّل عليه وأقر مشروع رعاية صحية جديد خاص به، وتحدى الاقتصاد الصيني الذي يتعاظم أمام الاقتصاد الأمريكي ففرض الضرائب على التكنولوجيا الصينية وهدد بملاحقتها قانونيًا متهمًا اياها بسرقة الابتكارات التكنولوجية الأمريكية وتقليدها.

ليس ما أوردناه هو تعظيمًا لـشخص ترامب فلا أحد يُنكر عنجهيته وفظاظته السلوكية والشخصية، وانما هو رد على سيمفونية عربية ودولية ترددت ألحانها على مسامعنا كثيرًا وطُرب على أثرها مستويات ثقافية وعلمية وسياسية كبيرة، بأن ترامب سيقود الولايات المتحدة إلى الهاوية وأن ذلك المجنون لا يدرى ما يفعله وأعماله صبيانية متصفة بالعشوائية على حد قولهم، لكن الملاحظ بأن ترامب يقوم بتنفيذ برنامجه الانتخابي الذي طرحه خلال حملته الانتخابية بدقة وببراعة، والذي انتخبه الشعب الأمريكي على هذا الأساس، لذلك أعتقد أن ترامب سيحظى بفترة رئاسية جديدة في الانتخابات الأمريكية القادمة.

وعلى صعيد آخر فإن الفوضى التي يعيش بها العالم اليوم من حروب ونزاعات وظهور قوى إقليمية جديدة على الساحة الدولية، جعل من الضروري أن تعود الولايات المتحدة الأمريكية من جديد لأسلوب القوة والندية، ووُجد ذلك في شخصية ترامب، على غرار أسلوب أوباما الناعم والتي كانت تتبناه أيضًا هيلاري كلينتون والذي لا يتماشى مع متطلبات المرحلة.

فلو عُدنا قليلًا لفترة زمنية قصيرة إلى الوراء لأدركنا حجم الاستراتيجية والتوازن التي تتمتع به الدول العظمى بعيدًا عن العشوائية والفوضى كما نعتقد، فمرحلة جورج بوش لم تكن غير مقصودة، فالمتتبع زمنيًا لتلك الفترة يُدرك أنه كان لزامًا أن تفرض الولايات المتحدة الأمريكية قوتها دوليًا آنذاك، فكان احتلال العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب وإرساء نظام عالمي جديد، ومن ثُم كان لزامًا أن يتبعها مرحلة أوباما لاستعادة الوجه الجميل مرة أخرى لأمريكا بعد تثبيت دعائم القوة، وقد نجح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بذلك، ثم عادت مرة أخرى مرحلة جديدة كانت تتطلب شخصية جديدة بأسلوب جديد.

لذلك فإن وصف مجنون إن كان ولا بد، يجب أن يُطلق على من ضيَّع القدس وفرَّق الخليج العربي وزرع الفتنة فيه، ودمر اليمن والعراق وليبيا، وشرد الشعب السوري وحاصر غزة، فترامب ليس مجنونًا إنما نحن وللأسف المجانين.