مسمى الحصار هو من المسميات التي تنطوي علي الكثير من معاني الشقاق والاختلاف الكبير بين الأطراف، وهي معاني قبيحة وبغيضة تأباها فروض ديننا، التي تنهي عن الفرقة والاختلاف، وتدعو إلى الاتحاد والائتلاف، ولا يتمني المرء أن توصف بكلمات الحصار والمقاطعة – بما تنطوي عليه من المعاني القبيحة والبغيضة – دولًا إسلامية وعربية؛ لأن ما يجمعها أكثر بكثير مما يفرقها، وكفي بها رباطًا وجمعًا رباط الدين.

  وكان الذي ينبغي أن يحدث لمعالجة أي اختلاف هو إخضاعه للمواجهة والمناصحة والنظر لصالح شعوب المنطقة، مهما كان الاختلاف كبيرًا في حجمه، ومع ذلك فإن نظام الحصار الذي تضربه بعض الدول مجتمعة على دولة أخرى، يحمل في حد ذاته عددًا من الدلالات والمؤشرات، منها ضعف العلاقات العربية العربية، ومنها سهولة اختراق هذه العلاقات وتدميرها، غير أن هذا القدر الكبير من الضعف في العلاقات (الذي هو على الأرجح من الأسباب الرئيسة لإعلان حالات الحصار والمقاطعة، وكل التحركات التي من شأنها للأسف الشديد إضعاف الطرف الآخر) هذا القدر الكبير يرجع فيما أتصور إلى أنه لا توجد إرادة حقيقية لهذه الدول التي تعلن حالات الحصار وحالات الحروب في أحيان أخرى، وأن إراداتها الحقيقية مغيبة تمامًا، واستبدلت بإرادات وقدرات وتطلعات، وربما استراتيجيات لدول أخرى! وهذه الدول هي المحرك الفعلي، لكل ما نشاهده في مدى عالمنا العربي من حالات الحروب أو الحصار أو الإبادة، أو حتى في حالات الاحتقان المتصاعد في بعضها، والذي لم يصل إلى حد الانفجار وبداية الحرب الأهلية الضارية.

  وكون هذه الدول فاقدة للإرادة الحقيقية، وأن إرادتها بيد الآخرين، فإن في ذلك وحده دليلًا كبيرًا على أن الحاكم به من الضعف ما يحمله علي رهن قراراته وإرادة دولته للآخرين طوعًا لا كرهًا ! فإذا كان الحاكم استولى على السلطة، أو بالأحرى اختطفها، أيا ما كان نوع ذلك الاستيلاء أو الاختطاف، مثل الانقلاب العسكري أو تصفية الخصوم، أو تغييبهم في السجون أو تحديد إقامتهم أو غير ذلك، فإن هذا وحده كفيل بأن يجعله يرهن إرادته للآخرين الأقوياء، ليضمن استمراره وبقاءه، الشيء الذي يجعله يزيف إرادة الدولة وفق ما يمليه الآخرون، ويقوده في آخر الأمر إلى أن يكون حاكمًا مستبدًا متعطشًا للدماء.

  من المناسب هنا أن أذكر مثالين لذلك، يوضحا هيمنة بعض الدول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنهما يفرضان قراراتهما واستراتيجياتهما علي بعض الدول، الأول: هو ما قامت به مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة نكي هالي، فقد حذرت في رسائل مكتوبة عددًا من الدول الأعضاء التي كانت تعتزم التصويت لصالح قرار يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، حذرت من مغبة التصويت لصالح القرار، وأنهم أن فعلوا فسوف ستتعرض بلادهم لعقوبات اقتصادية قاسية ووشيكة! بل إن هالي تطوعت بإسداء النصح لهذه الدول الأعضاء، فذكرت أن الولايات المتحدة لا تطلب منهم أن يحذو حذوها (في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل)، ولكنهم إذا فعلوا فسيكون أمرًا صائبًا، والمثال الثاني هو عندما سحب مندوب مصر مشروع القرار الذي يطالب بوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة من الأمم المتحدة، وكان واضحًا حجم الضغط أو بالأحرى الإرهاب الذي مارسته إسرائيل وترامب حتي يسحب مشروع القرار، وهو ما يمكن تسميته تنازلًا ورضوخًا لرغبة إسرائيل والولايات المتحدة وإراداتهما، وما يمكن تسميته أيضًا فقدان الإرادة الكاملة والحقيقية لدي الأنظمة العربية، ومن ثم استقلالية القرار العربي في مواجهة دولة الاحتلال التي لا تراعي اتفاقًا أو تلتزم بقانون أو ميثاق، إلا إذا واجهت خصمًا قويًا يرغمها على إعادة حساباتها.

  إنه يصعب جدًا على المرء أن يصدق أن الرغبات الجامحة في السلطة والعرش من الممكن أن يرتهن من أجلهما القرار والإرادة، وأن تعمي الأبصار وتصم الأذان عن الأخوة في الدين والدم، يصعب ذلك جدًا .